خط الأسلحة والبشر من السودان إلى فلسطين

تم نشره في الأحد 29 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

بحسب التقرير الذي نشرته شبكة "سي بي إس" الأميركية، الأربعاء الماضي، حول غارة " جوية إسرائيلية في السودان في كانون الثاني تم فيها قتل 39 شخصا وحرق 17 شاحنة، ومثل هذه الأرقام تنبئ عن قافلة كبيرة وكميات أسلحة قد تكون هائلة يصعب تخيل أن تكون موجهة إلى "حماس" في غزة، على أنّ موقع "سودانيز تربيون" العامل من باريس أكد نقلا عن وزير سوداني أنّ غارة ما تمت ضد قافلة محملة بالسلاح في السودان في ذلك الوقت بالفعل. وتوالت تقارير تتضمن اتهامات سودانية لإسرائيل بالوقوف خلف تلك الغارة، بل ووقوفها خلف غارة دمرت 4 زوارق سودانية في البحر الأحمر، في الفترة ذاتها-  كما جاء في صحيفة "الشرق الأوسط" أمس. كما نشرت تقارير إسرائيلية أنّ الغارات استهدفت شحنات أسلحة إيرانية موجهة إلى "حماس".

أول ما يثير الاستغراب أن تجري هذه الغارات ويمضي عليها أسابيع والمواطن العربي عموما، والسوداني خصوصا، لا يدري عنها شيئا. ومما يثير الاستغراب أيضا هذا الصمت،  من قبل حكومة السودان وحركة "حماس" وإيران.

هذه الأنباء تعزز تحليلات وأخبارا (وإن كانت لا تثبتها) عن أن خط تهريب أساسي للسلاح إلى قطاع غزة يمر من السودان ثم الأراضي المصرية وصحراء سيناء. وإذا كانت الإشارة إلى أنّ جزءا رئيسيا من هذه الأسلحة يأتي من إيران، فإنّ تقارير إسرائيلية تشير إلى مصادر أخرى، فمثلا في منتصف عام 2007 نشرت "جيروزالم بوست"، أنّ إيصال الأسلحة يتم عبر خطوط عدة، عبر اليمن، وأرتيريا، وجنوب إفريقيا، حيث تلتقي الأسلحة من هذه الطرق في السودان، ثم يتم نقلها إلى صحراء سيناء ومن ثم تدخل قطاع غزة من الأنفاق تحت معبر "فليدلفي"، ولا تنكر الصحيفة، نقلا عن مصادرها، أن جزءا من الأسلحة يصل عبر مياه البحر الأبيض المتوسط.

لا يجب أن تدفعنا هذه الأنباء للقفز للقول إنّه وبالضرورة هناك عمليات منظمة تشترك بها حكومات إيران والسودان. فما لا يجب تناسيه أنّ السودان لا يسيطر على كامل أراضيه، وهو بحسب التعريف العلمي في العلاقات الدولية، "دولة فاشلة"، أي لا يوفّر السيطرة والاستقرار والخدمات الرئيسية لجزء كبير من مواطنيه وأراضيه. وهنا يجب أن نتذكر كيف تمكنت قوات المعارضة (العدل والمساواة) في دارفور، في أيار الفائت من قطع مئات الكيلومترات، وربما الآلاف، في مواكب من عشرات العربات المسلحة وصولا إلى أم درمان، قبل أن تلحظها القوات النظامية. وهنا لا يجوز تجاهل فرضية أنّ شحنات الأسلحة قد تكون كليّا أو جزئيا موجهة لأطراف داخل السودان أو خارجها، وليس بالضرورة إلى غزة.

على أنّه إذا كان من المحتمل أن تكون أسلحة تصل من السودان إلى قطاع غزة في رحلة تبدو غريبة لطولها ولأنها تحتاج للمرور في عدة محطات وبلدان ومن بين أيدي عدة جيوش وأجهزة أمنية، فإنّ الأكيد أنّ هناك شيئا آخر يصل من السودان إلى إسرائيل (فلسطين المحتلة عام 1948) هو البشر، إذ تقدر مصادر عدد السودانيين الذين دخلوا الأراضي الإسرائيلية ويعملون فيها بنحو 8 آلاف سوداني، وقصتهم لا تقل غرابة عن قصة وصول السلاح، فالحديث يدور بحسب صحف أميركية مرموقة مثل نيويورك تايمز، عن رحلة سهلة يقوم بها سودانيون بواسطة الحافلات العمومية داخل مصر إلى المدن القريبة من حدود إسرائيل ثم يتسللون مشيا عبر الحدود، حيث يتعمدون أنّ يراهم الجنود ليتم نقلهم، ربما لقضاء فترات اعتقال في السجون الإسرائيلية، قبل إطلاق سراحهم للعمل في المستوطنات الزراعية (الكيبوتسات) وغيرها.

وهكذا نكتشف فجأة أن حدود إسرائيل سهلة، مما يدفع للتساؤل كيف عجز الفلسطينيون عن دخولها، وكيف تعجز المقاومة، وينجح هؤلاء الضعفاء المشردون؟!. على أنّ "خط البشر" هذا يجعل من غير المستغرب أن تتمكن إسرائيل من تجنيد عملائها من بين هؤلاء وإعادتهم إلى السودان ليقدموا المعلومات الكافية لمثل هذه الغارة المزعومة أو غيرها من الأعمال، دون أن ننسى إمكانية الاستعانة بيهود الفلاشا الذين تم تهجيرهم من أثيوبيا إلى إسرائيل بمساعدة الرئيس السوداني السابق جعفر النميري، أواسط الثمانينيات، وكذلك لا يجوز نسيان الرحلة التي قام بها مؤخرا زعيم حركة جيش تحرير السودان المتمردة في دارفور عبد الواحد محمد نور، الساعي لرئاسة السودان، ونور ليس شخصية هامشية وله شعبيته الكبيرة في دارفور، وهذا كله يعزز القناعة بوجود الكثير من الخطوط الجارية بين إسرائيل ومناطق وشخصيات سودانية بعيدا عن الأضواء. ولعل مما يلفت النظر أنّه من الناحية التاريخية تبرز إسرائيل في المشهد السوداني، في زمن حكم الثورات والانقلابات والعسكر وتتوارى زمن الديمقراطية والمدنيين.

عشاق نظرية المؤامرة، وأنصار النظام السوداني، سيربطون بين هذه الغارة وبين قضية ملاحقة الرئيس السوداني بواسطة المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار المحكمة عقابا على دعمه لحماس، وتتفق إسرائيل أيضا مع هذه النظرية، بهدف توريط السودان وإيران في الوضع في غزة، بينما قراءة تعليقات السودانيين (وتحديدا سودانيي المهجر) على خبر الغارة في موقع سودانيز تربيون، يكشف قناعة هؤلاء بأنّ الموضوع هو نقص في السيادة وعجز عن السيطرة.

نقل الأسلحة وانتقال البشر إلى إسرائيل، ومواكب المتمردين، وصراعات القبائل، والكثير غير ذلك، يجب رؤيته في سياق واحد لا غير، هو عدم القدرة على القيام بالتنمية وبالمهام الأساسية الواجب على الحكومات القيام بها وفي مقدمتها حفظ الأمن، وهو ما قد يسمح لإسرائيل وإيران وحماس وغيرها بمحاولة استغلال الوضع كل لصالحه وفي اتجاهه.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العدل ..هو الضمانه (ابو راكان)

    الأحد 29 آذار / مارس 2009.
    بغض النظر عما اذا كانت السودان تسمح بتهريب السلاح الى غزة فهذا امر يجب فعله من قبل كل الدول العربية لنصرة شعب ومقاومة تسعى لتحرير نفسها من احتلال همجي صهيوني . غير ان الامر ليس كذلك فلقد اصبحت الدول العربية وللاسف تحكم الطوق على اهل غزة وتمنع عنهم السلاح والغذاء والدواء بل وتتباهى بانها ابطلت عمليات تهريب لغزة في حين ان اسرائيل تحصل كل يوم على سلاح جديد في وضح النهار للتنكيل بالشعب الفلسطيني.

    الا ان ما يلفت النظر ومع ادراكنا كعرب ان السودان يتعرض لمؤامرة تمزيقه والقضاء علية لاسباب كثيرة نرى زعيما عربيا اخر وبسبب تصرفات معينة غير ديمقراطية بحق شعبه نراه وقد اصبح مطلوبا وملاحقا للقبض علية ولا يجد ذلك الزعيم الدعم الكافي من شعبه لمواجهة امر القبض علية فهناك كثيرون من شعبه يؤيدون القبض علية وتقديمه للمحاكمه ورغم ان ذلك الزعيم يحاول ان يظهر للعالم بانه غير خائف من امر القبض علية نراه يقوم بزيارات لدول الجوار التي لا تستدعي منه المرور بالاجواء الدولية والملاحظ ان زيارات ذلك الزعيم خاطفة وقصيرة جدا مما يعني ان ذلك الزعيم ليس خائفا من ان يقبض علية وهو في حماية الدولة التي يزور بقدر خوفة مما قد يحصل بداخل بلده اثناء غيابه مما يثير تساؤلا كبيرا هل نسي هذا الزعيم قصة صدام حسين وكيف ان تم القضاء علية لسبب بسيط ان شعبه كان لا يدعمه ويتمنى الخلاص منه.

    تلك هي العبرة التي لا يحاول ادراكها زعماء العرب وهي ان لا يمكن لاية قوة بالعالم ان تقضي على زعيم يقف خلفه كل شعبه ويحميه..فهل ان الاوان ان تسعى الزعامات العربية ان تحتمي بشعوبها بدلا من الاحتماء بالغرباء؟