د.أحمد جميل عزم

المفاوضات الأردنية الإسرائيلية السرية

تم نشره في الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

لم تبدأ قصّة الصحافي محمد حسنين هيكل مع الدعاية ضد الأردن حديثا أو قبل سنوات، بل يربو عمر هذه الدعاية على نصف قرن، عندما كان هيكل جزءا من الآلة الإعلامية المصرية الناصريّة ضد الأردن، وبتحليل كثير مما يتم تداوله حتى الآن في سبيل استهداف الأردن يتضح أنّ جذور كل ذلك يعود لحقبة الخمسينيات والستينيات، ومما نشطت الآلة الإعلامية المصرية والسورية، بوجه خاص لترويجه آنذاك، عندما نشرت كتبا ونشرات عديدة صادرة في تلك الفترة عن دور النشر الرسمية الحكومية في مصر، بعضها يحمل أسماء لمن يفترض أنّهم من المعارضة الأردنية وهي إمّا أسماء وهمية، أو لأشخاص مغمورين، ويحضرني من تلك الأسماء اسم (صوّان الجاسم).

ما تضمنته تلك الكتيبات الدعائية والتي من دون شك كانت مواد لصحف وإذاعات عربية ومنشورات سرية آنذاك، ما يزال تتردد في كتابات ومقولات لأشخاص شكلت تلك المواد أساس ما يحملونه من أفكار وانطباعات بشأن الأردن، بل إنّ بعض الكتب التي صدرت باللغة الإنجليزية عمّن يفترض أنّهم أكاديميون غربيون تأثرت بتلك الكتابات بوضوح، ومن هؤلاء ما كتبته ماري ويلسون، في كتابها "الملك عبدالله، وبريطانيا، وصناعة الأردن"، الصادر في كيمبردج عام 1990.

وإذ يطول بحث عمليّة تشكيل الخطاب المعادي للأردن، الذي جاء في ظروف الخمسينيات والستينيات، التي كان هيكل من رموزها، فإنّ إحدى القضايا المحورية التي يجدر التوقف عندها هي جزئية المفاوضات الأردنية – الإسرائيلية السرية التي تشكل محور كثير من الاتهامات المتكررة.

أولى الحقائق التي يجب التوقف عندها أنّ أهم المصادر الموجودة حاليّا حول هذه اللقاءات هي ما أدلى به الملك الراحل الحسين، ولعل أهم مصدر لدى هيكل ذاته، هو ما قاله له الملك الحسين، رحمه الله، وعدا ذلك فكل ما لديه هو من مصادر منشورة ومتاحة، وهو لا يدّعي غير ذلك، إلا أنّه يصوغ كلامه ليوحي بأنّه يمتلك وثائق لا يمتلكها غيره.

لقد درست هذه المفاوضات التي بدأت عام 1963 وانتهت منتصف السبعينيات، من عدة مصادر، أولها وثائق الخارجية البريطانية، وما نقله هيكل ذاته عن هذه اللقاءات، وما كتبه مسؤولون إسرائيليون، وما نقله الباحث الإسرائيلي الأصل, في جامعة أوكسفورد، آفي شليم، في أكثر من كتاب ومقال، وأخص بالذكر نص حديثه مع الملك الحسين، المنشور حرفيّا بمجلة "ذا نيويورك ريفيو أوف بوك"، في 15 تموز 1999، وهنا لا بد أن نذكّر بأن شليم هو أحد أهم رموز المؤرخين الجدد الذين يرفضون الرواية الصهيونية التقليدية للتاريخ، ويصف الحكومة الإسرائيلية التي شنت الحرب الأخيرة على غزة بالعصابة.

وخرجت من دراستي بنتائج رئيسية، أولها، أنّ جزءاً كبيراً من هذه اللقاءات، خصوصا قبل العام 1967 (ثلاثة لقاءات عام 1963، و1965، و1966)، لم ترقَ لدرجة المفاوضات، وكانت محاولة لاستكشاف فرص حل قضايا رئيسية عالقة منها قضايا المياه. والنتيجة الثانية، هي أنّ الموقف الأردني كان واضحا دائما أمام الجانب الإسرائيلي وهو أنّه مع الإجماع العربي، وإذا ما قرر العرب الحرب فلن يتخلف الأردن، حتى عندما تختلف وجهات النظر في تقييم الموقف، وأنّ طريق المفاوضات لا يعني أنّ العداء والخلاف انتهيا.

أمّا النتيجة الثالثة فهي أنّ هذه اللقاءات لم تبحث شيئا سوى فرص حل الصراعات والخلافات، خصوصا في المرحلة اللاحقة للعام 1967، أي أنّها لا تختلف بشيء عن المحادثات التي كانت تحدث في الأطر الدولية، أو التي تجري عبر وسائل الإعلام، وبمحادثات غير مباشرة، سوى أنّها حاولت تحييد الإعلام.

وكان الرئيس المصري جمال عبد الناصر، كما بات معروفا وموثقا الآن قد اعترف أنّ الأردن سارع للحرب في العام 1967 التزاما مع اتفاقاته مع مصر والدول العربية، وأنّه سبق بذلك الدول التي قادت الوضع للتوتر قبيل تلك الحرب، والتي ترددت طويلا قبل دخول المعركة على نحو محدود. وهذا ما جعل عبدالناصر يشعر بالمسؤولية ويقول للملك الحسين إنّه فقد الضفة الغربية والقدس بسببه (عبدالناصر) وأنّه يوافق أن يفعل الملك أي شيء باستثناء توقيع اتفاق سلام منفرد مع إسرائيل، وهو ما كان الملك الحسين واضحا في أنّه لا ينوي فعله.

أمّا النتيجة الرابعة، والأهم برأيي، فهي أنّ الأردن لم يقدم أي تنازلات من أي نوع نتيجة لهذه اللقاءات، وأنّ نتيجتها تؤكد التمسك الأردني بالحقوق العربية، وقد لخص المغفور له بإذن الله الملك الحسين، نتائج المفاوضات بقوله "كانت المسافة بيننا كبيرة"، وأوضح أنّ الإسرائيليين عرضوا في مرحلة ما بعد العام 1967 إعادة نحو 90% من الضفة الغربية ثم وصل العرض إلى 98%، باستثناء القدس، وقد رفض الأردن هذا العرض كليّا، وتوقفت المفاوضات منتصف السبعينيات، وأوضح الملك الراحل لاحقا موقفه التفاوضي بقوله "لم يكن بإمكاني التخلي عن بوصة من الأراضي الفلسطينية أو ذرة من الحقوق الفلسطينية".

المفاوضات جزء من أدوات حل الصراعات، وجميع اللقاءات الإسرائيلية – الأردنية دارت في هذا الإطار، ولا يوجد أي دليل أو مصدر يعتد به يدّعي غير ذلك، وبالتالي فمحاولة تكرار الحديث عن المفاوضات الأردنية الإسرائيلية بطريقة مضللة، كما لو كانت تتضمن أي تفاهمات ثنائية وترتيبات من أي نوع هو تضليل لأغراض سياسية، فالمفاوضات الأردنية الإسرائيلية كانت جزءا من الصراع العربي – الإسرائيلي.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عاقل ومتزن (زهير السقا)

    الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009.
    كلامك عاقل ومتزن ياسيدي، بل وبصيغة حيادية تجريدية. أشكرك يا سيد عزم، وكان ياريت بكرت شوي بالكتابة.
    تحياتي.
  • »محاولة فاشلة (خليل)

    الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009.
    هذا تماما ما استشعرته و أنا أستمع للحلقة فبينما كان يحاول هيكل تشويه صورة الأردن ممثلة بجلالة الملك حسين رحمه الله كنت أتصور عبقرية جلالته وحنكته السياسية وبعد النظر خاصة في ظل الظروف الحالية وما ألت إليه القضية الفلسطينية من ضبابية وسوء طالع. كل كلمة تفوه بها هيكل قاصدا الإساءة كانت بنظري مدح ولو أنا أمعنا بها جيدا لعرفنا أنها محاولة فاشلة
  • »الرد المثالي (ناصر)

    الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009.
    حقيقة هذا هو اسلوب الرد الذي نحتاجه على اكاذيب وشطحات هيكل وليس اسلوب الشعر والردح الذي يضر اكثر مما يفيد
    كل الاحترام للدكتور احمد