لحظة فرنسا الرابعة

تم نشره في الاثنين 9 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

كييف- منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ارتفعت فرنسا على نحو مضطرد إلى مستوى التحدي المتمثل في إعادة بناء أوروبا في أوقات الأزمات. وبهذا أصبحت فرنسا بمثابة العامل المحفز، ليس فقط لبناء الوحدة الأوروبية، بل وأيضاً للتأسيس للازدهار الذي اتسمت به أوروبا في عقود ما بعد الحرب- وهو الازدهار الذي بات اليوم مهدداً بسبب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. وإذا كان لنا أن نشهد خروج أوروبا من التحديات التي تواجهها اليوم وقد أصبحت أكثر قوة، فإن زعامة فرنسا المتبصرة الحكيمة أصبحت مطلوبة من جديد.

كانت اللحظة الأولى التي بدأت فيها الزعامة الفرنسية الحاسمة في توحيد أوروبا حين أسس روبرت شومان وكونراد أديناور الجمعية الأوروبية للفحم والفولاذ. وبزرع ألمانيا الغربية آنذاك في النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي للغرب، كانت هذه الخطوة بمثابة البشير بميلاد ألمانيا من جديد ونشوء المعجزة الاقتصادية الألمانية.

كانت المرة الثانية التي عملت فيها فرنسا على ترسيخ البنية الأوروبية الداخلية في عام 1983 أثناء المناقشات التي دارت آنذاك حول نشر صواريخ بيرشينج وكروز الأميركية في ألمانيا الغربية رداً على نشر صواريخ SS20 بواسطة الاتحاد السوفييتي. وساعدت عزيمة فرنسا في الوقوف بجانب ألمانيا في منعها من الانجراف إلى الحياد الخطير الذي كان من شأنه أن يزلزل المجتمع الأوروبي حتى الصميم.

أما اللحظة الثالثة، فكانت بعد سقوط سور برلين، وكان يُخشى آنذاك أن تكون ألمانيا الموسعة سبباً في زعزعة استقرار أوروبا. فبعد أن حاولت فرنسا في البداية تأخير توحيد شطري ألمانيا، عادت إلى تبني مبدأ التوحيد في مقابل تأكيد ألمانيا لالتزامها بالوحدة الأوروبية والزعامة الفرنسية الألمانية للمجتمع الأوروبي. ونتيجة لهذا ألزمت ألمانيا نفسها بفكرة "الاتحاد المتواصل التقارب"، بل وعلى نحو أكثر حسماً من خلال التعهد بالانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة، أو اليورو.

إنه لأمر في غاية الأهمية والإلحاح الآن أن يتم تطبيق الرؤى التي ساعدت في تحريك العلاقات الفرنسية الألمانية على كل بلدان أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية. فبتأمين الهوية الأوروبية لهذه المنطقة بالكامل، ومن خلال ترسيخ العلاقات الروسية الألمانية المتنامية في السياق الأوروبي، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يستمر على مساره نحو الاستقرار والازدهار. ولن يسعنا أن نأمل في أي خلاص من أزمة اليوم إلا بتعزيز التجارة المفتوحة والعلاقات المالية في مختلف أنحاء أوروبا. فليس من مصلحة أي دولة أوروبية وليس من مصلحة الاتحاد الأوروبي ككل أن تشعر بلدان أوروبا الوسطى والشرقية وكأنها أصبحت تسير بلا هدى أو أن ألمانيا وروسيا تركز كل منهما انتباهها على الأخرى في هذا الوقت من الأزمة.

وكما كانت الحال مع ألمانيا في خمسينيات القرن العشرين، فإن طبيعة ارتباطات روسيا بالبلدان المجاورة لها أصبحت تشكل العامل الحاسم في صياغة الكيفية التي ينظر بها العالم إلى روسيا. ويرى العديد من المراقبين في هذه العلاقات إشارة تبثها روسيا، ليس فقط إلى المنطقة، بل وأيضاً إلى بقية العالم، بالهيئة التي تريد أن تظهر بها من القوة.

وإنها لقضية تتعلق جزئياً بالنزعة الدولية ذاتها. فعلى النقيض من أوروبا -في ظل شبكتها المحبوكة من المنظمات التعددية، والتي تعمل البلدان من خلالها على صياغة وإدارة القسم الأعظم من سياستها الخارجية- لم تتعود روسيا على الإجراءات الدولية التعاونية المكثفة.

بيد أن إبقاء روسيا على مبعدة من أوروبا لم يسفر إلا عن تعزيز الشعور بالعزلة بين العديد من أهل روسيا، الأمر الذي يغريهم على تحديد مصالح البلاد على نحو يتناقض مع مصالح أوروبا. كما سلط ذلك الضوء على رغبة روسيا في بناء علاقة روسية ألمانية خاصة تتجاهل سياق الاتحاد الأوروبي.

إن تاريخ أوروبا أثناء السنوات الستين الماضية يوضح على نحو لا لبس فيه أن التناول الأكثر تبشيراً للتحديات المتصلة بتحقيق الوحدة الوطنية والاستقرار لا يركز على حالات طارئة محددة، بل على تأسيس الإجراءات القادرة على تشجيع التغيير النظامي. وكانت هذه العملية تتجسد دوماً في رؤية واحدة تتلخص في التالي: لا ينبغي لنا أن نسمح للعداوة بين الجيران بأن تتفاقم، ولا بد وأن يكون الحكم للقانون، ليس فقط داخل كل بلد على حِدة، بل وأيضاً بين البلدان.

إن أوكرانيا وأوروبا لا تحلمان حين تتصوران أن هذه الرؤية قد تنجح مع روسيا، إذ أنها رؤية تستند إلى التجربة الناجحة التي خاضتها فرنسا وألمانيا في تعزيز التفاهم بينهما. والحقيقة أن وجود أو غياب الإطار اللازم للتعاون كثيراً ما يقرر ما إذا كان النزاع قد يتحول إلى أزمة أو إلى فرصة. وتسعى مثل هذه الأطر التعاونية إلى التوفيق بين الاستقلال الوطني والاعتماد الإقليمي، من خلال دفع الزعماء السياسيين إلى التركيز على تحقيق الازدهار والرخاء لشعوبهم بدلاً من اكتساب المزايا الأحادية التي تؤدي في النهاية إلى إفقار وزعزعة استقرار الجميع.

إن الدرس الأول من دروس الوحدة الأوروبية يتلخص في أن أوقات الأزمات لا بد وأن تعمل على التقريب بين سكان القارة وليس تقسيمهم من خلال دفعهم إلى نزعة الحماية، والتنافس على تخفيض القيمة، وطرد المهاجرين. وعلى نحو مماثل، لا ينبغي لليورو أن يتحول إلى ستار حديدي يفرض على البلدان غير الأعضاء الانعزال في منطقة عالية المخاطر لا يجرؤ المستثمرون على المغامرة بدخولها.

وفيما يتصل بأوكرانيا، فإن أوروبا قادرة على المساعدة من خلال تبني اتفاقية التجارة الحرة التي نتفاوض عليها حالياً. وإذا ما اقترن ذلك بعضوية أوكرانيا الناجحة في منظمة التجارة العالمية، فهذا يعني أن أوكرانيا سوف تستفيد كثيراً حين تبدأ التجارة العالمية والأوروبية في التعافي. ومن الممكن أن تفكر أوروبا أيضاً في استخدام صناديق الاستقرار المتعددة لمساعدة اقتصادنا في عبور الأزمة التي نمر بها جميعاً.

وأنا لا أطلب هذه الأشياء من منطلق نظرة ضيقة إلى مصالح بلادي. فتماماً كما دخل بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة في عمليات مقايضة الائتمان والعملة مع البرازيل والمكسيك وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها من البلدان بهدف تسهيل حصول هذه البلدان على الدولارات التي تحتاج إليها، يتعين على البنك المركزي الأوروبي أيضاً أن يتبنى ترتيبات مقايضة مماثلة بالنسبة للبلدان الأوروبية غير الملتحقة بعضوية منطقة اليورو من أجل تيسير استمرار العمليات التجارية والإنتاجية.

أجل، إننا نمر بأوقات عصيبة مظلمة، وكل أهل السياسة يرغبون في حماية ناخبيهم. ولكن أعظم زعماء أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب أدركوا أن التركيز على المنظور الأوسع لأوروبا يشكل الوسيلة الأمثل لتحقيق هذه الغاية. وكما كانت الحال في العديد من الأوقات في الماضي - وفي ظل المخاطر الاقتصادية التي نعيشها جميعاً- فإن ما نعيشه اليوم يشكل لحظة نحتاج فيها إلى الزعامة الفرنسية الحاسمة.

* رئيسة وزراء أوكرانيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق