عمّان التي لنا

تم نشره في الأحد 8 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

 

قبل أيّام، شاهدت وأنا أمرّ في إحدى مناطق عمّان تلك الحفرة العظيمة التي أنجزتها إحدى الشّركات مؤخّراً، من أجل إقامة واحد من الأبراج المقترحة في عدد من الأماكن... شاهدت تلك الحفرة وتذكّرت كلام إحدى الصّديقات التي تسكن على مقربة من المكان حيث أخبرتني بأنّها تنوي بيع البيت والرّحيل إلى حيّ آخر! لقد قالت لي إنّ الأمر لم يعد محتَمَلاً بالنّسبة لها في ظلّ وجود برج.

ما الذي يحدث لربّة عمون هذه الطّفلة الوديعة التي كانت في مثل سنّي حين التقيتها عام 1967? لقد أصبحت مدينة كبيرة! في الطفولة كنّا نجوب جبالها مشياً على الأقدام ونحن نبيع كرابيج الحلب. كانت منطقة الدّوّار الرّابع بمثابة منطقة نائية. كان حيّ القيسيّة الواقع بين راس العين وعبدون حاليّاً يبدو كما لو كان في آخر الدّنيا، ومرّة ذهبت إليه في الشّتاء فوقعت في بحر عظيم من الطّين.

على حين غرّة شبّت المدينة، وامتدّت أحياؤها في مختلف الاتّجاهات. على حين غرّة صارت لها أسواق جديدة، مقاهٍ جسور وساحات، (مولات) أيضاً، ثمّ وبتوجّس كبير صرت أشاهد تلك الآليّات العجيبة ذات المناقير المعدنية التي تتجوّل هنا وهناك ولا همّ لها سوى القيام بتثقيب أكتاف الجبال! أصارحكم القول إنّي قد حزنت، فتلك الجبال العزيزة على قلبي ربّما كانت تتألّم بسبب ذلك التثقيب المتواصل. إنّها كائنات تشبهنا. في السّنوات الأخيرة شدّ انتباهي ذلك الجسر العملاق الذي أطلق الناس عليه اسم (جسر الشَّعوب)، الذي يربط دوّار عبدون بالدّوّار الرّابع. لقد كان مشهد الجسر مريعاً خاصّةً حين تنظر إليه من الأسفل. سرت على ذلك الجسر بالعربة وانتابني إحساس بالفزع. كان المرور على الجسر شيئاً شبيهاً بالانزلاق من قمّة جبل روسي! ثمّة متعة يجنيها الذي يمرّ على هذا الجسر، أنا أعترف بذلك، ولكنّها متعة ممزوجة بالخوف.

أخيراً ظهرت قصّة الأبراج في عمّان، فقد شاهدنا بعض هذه الأبراج يرتفع في سماء المدينة، وهناك مخطّط لإنشاء كثير منها في المستقبل، وقد عرفت أنّ هناك أربعين طلباً قد تمّ تقديمها من أجل إقامة هذه الأبراج في مناطق متفرّقة من عمّان. هناك نيّة مثلاً لإنشاء عدد من التّجمّعات التّجارية الكبرى في المناطق التي يجري فيها تشييد الأبراج، وهناك مزيد من طلبات الاستثمار المقدّمة لتحويل عمّان إلى مركز مالي وتجاري.

مثل هذه الأمور يمكن لها أن تكون مفيدة للمدينة لو جرى لها التّخطيط بعناية، ومراعاة الطّابع المعماري الخاص الذي تتمتّع به عمّان، الذي هو طابع المدينة العربية الإسلامية عموماً. لكن هل فكّر القائمون على أمر المدينة وعلى رأسهم أمانة عمّان بمثل هذه الخلطة العجيبة التي يمكن لها أن تنشأ من جراء بناء الأبراج وسط تلك الأحياء السّكنيّة البسيطة؟

كان من الممكن أن يتم بناء مدينة ذات طابع تجاري، وبأبراج أيضاً، ولكن خارج مدينة عمّان، من خلال اختيار الموقع والطّبيعة المناسبين، ولكنّ الاتّجاه لإقامة هذه المشاريع التّجارية العملاقة والأبراج داخل عمّان ربّما يكون أمراً مزعجاً ويدمّر الجماليّات التي تنفرد بها عمّان بين عواصم العالم. بدلاً من كلّ ذلك لماذا لا يجري التّركيز على تعميق الهويّة المعمارية لمدينة عمّان، من خلال العناية بأحيائها القديمة وتحويل بعضها إلى متاحف؟ في السّنوات القليلة الماضية تمّ وأد مبنيين قديمين: فندق فيلادلفيا ومقهى حمدان، وأذكر أنّ الكتّاب نزلوا في مظاهرة إلى وسط البلد من أجل إيقاف هدم المقهى الشهير الذي احتضن الحركة الوطنية الأردنية في العشرينيات من القرن الماضي ولكن دون نتيجة.

الآن وبمناسبة الاحتفال بمئويّة عمّان أطالب بتشكيل هيئة عليا تشرف على تخطيط المدينة وصياغة مشاريعها العمرانية، يشارك فيها بالإضافة إلى أصحاب الاختصاص المبدعون الأردنيّون من شعراء وكتّاب وفنّانين، فعمّان ليست للتّاجر والسّمسار إنّها لنا.

Yousef.abdelazeez@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حتى لا تصبح عمان مغرورة (مصطفى العمري)

    الأحد 8 آذار / مارس 2009.
    شكرا للكاتب يوسف عبد العزيز على مقال عمان التي لنا , طبعاً لا عجب في أن ترى عمان التي هي اليوم ليست هي ذاتها في الأمس , طبعاً تلك فتلك البنيان في طوابقها التي تتسابق لتصل إلى السماء ما هي إلا أدوات لكي تعطي المجال لبروز طبقات جديدة في المجتمع فحن نمتلك عمارات أطول وبنيان أفخر وأضخم ونمللك وسائل للراحة أكثر لكن لدينا وقت أقل وأسر أصغر ومشاكل أكثر عما قبل للأسف .

    وربما تدفع عمان ثمن غرورها بسبب تلك الحضارة التي لا تعكس بلد التقدم والراقي , فنحن نجد أن عمان يضخ فيهاملايين الدولارات في كل عام من الاستثمارات ونجد في المقابل نسب البطالة تزداد لا أعرف لماذاهذه المعادلة العكسية فقط في الأردن , ولنأخذ العقبة كنموذج مصغر عن عمان لأنها تغيرت في الشكل والمضمون ولكن نجدأبنائها يتخبطون باحثين عن وظيفة وحلم في المدن الاخرى وقد دفعوا ثمن استثمارات مدينتهم التي كانوا يعتقدون أنها هي التي ستأخذهم إلى بر الأمان من الفقر الذي يلاحقهم . ولنأخذ مدينة نيويورك كالنموذج متقدم عن عمان ولنرى حجم المعاناة التي يعيش سكانها , حيث قضيت هذه البنيان على جميع العلاقات الاجتماعية وقد خلفت لهم مشاكل نفسية , وبذلك ليس كما كانوا يعتقدون أن تلك المدينة ستولد لهم السعادة ذات يوم , لقد كانت هذه الآمال وحجم تلك الاستثمارات مجرد أفكار واقعية ؟بل كانت جموحاً في خيال المناظرين والباحثين الذين توقعوا أن تكون هذه الاستثمارات أجمل ما سيحققونه ولكن للاسف كان بمثابة أجسام وهمية( الابراج ) تعطي شكل مبهر وجمال ساحر ولكن من شباك الطائرة فقط .
    وكانت مجرد أمنية لشعوب متلهفة للهرب من واقعها ؟ثم ليدحض ذلك العلم العالم المستورد نفسه الذي أثبت عدم واقعيته ,وليعدنا جميعاً لنسأل بحرقةإلى أين ؟
    لقد أصبحنا للأسف ننفق بتهور ونملك كثيرا ,لكن قلما نستمتع بما !
    قد يقول القارئ هذا الكاتب ( عني أنا ) متخلف ورافض الحضارة ولكن ليست الحضارة بهذا الشكل , فنحن نملك مستشفيات ضخمة وأدوية أكثر وأطباء أكفئ وبحوث أعمق لكن حيويتنا وعافيتنا أقل !
    هذه الأبراج التي تغزو مدينة عمان تذكرني برجان لا بد من طرح قضيتهما في هذه المقام الرائع والذي يبين الاختلاف بين برجا احدهما في دبي والاخر في القاهرة فمنذ مدة كشفت شركتا "فلورنسا" للمعمار "وكيا" الهندسية النقاب عن مشروع البرج المحرك والذي نال عليه المهندس " ديفير منشر " براءة الاختراع على هذه المشروع الذي ينتهي العمل به بحلول عام 2010 في مدينة دبي بتكلفة تصل إلى 700مليون دولار.
    واهم ما يميز البرج هو دوران كل طابق حول نفسه بمجرد أمر صوتي لقاطنين ذلك الطابق ، حيث تقوم استشعارات صوتية بتحويل الصوت إلى أوامر ويتم تحريك الطابق حول نفسه بشكل دائري بطيء جدا حتى لا يشعر القاطنين بالإزعاج. فتخيل نفسك تعيش في هذا البرج الغريب المقاوم للزلازل أيضا .

    حيث بعد اليوم سيقوم قاطني هذا البرج بوضع سياراتهم على باب الشقة حتى وأن كان الطابق الثمانين حيث تتوفر مصاعد خاصة للسيارات دون الحاجة لان تنزل من السيارة حيث كل ما عليك الدخول داخل المصعد بسيارتك والانتظار قليل حتى تصل طابقك الخاص. ومن أحد الميزات لذلك البرج أنه لن يكون بعد اليوم أي تمديدات كهربائية أو انقطاعها ذلك أن البرج مزود بطاقة شمسية وطاقة الرياح حيث زود البرج بعاكسات شمسية وتربينات لتوليد طاقة الرياح. وبعد اليوم لن يكون هناك أي سرقة حيث في كل طابق دورية خاصة من الشرطة المحلية ,مع وجود أنظمة معقدة يصعب على اللصوص التفكير دخول الشقة , حيث سيكون بطبع أغلب القاطنين من العائلات الثرية ورجال الأعمال؛ بسبب السعر الباهظ لتلك الشقة حيث تتراوح من أربعة ملاين للشقق الصغيرة انتهاءً ب (39 ) مليون دولار للشقة ذات الطابق الكامل.
    ولكن خلال مطالعتي أحد الصحف قرأت عن برج مشابه في العاصمة المصرية في أحد الأحياء الشعبية حيث يتشارك مع برج دبي المتحرك بعدد من الخصائص وهو في أحد الأبراج الموجودة في مصر .
    ففي حين كان برج دبي متحرك , أيضا هذا البرج متحرك ففي كل عام يغوص هذا البرج بوقع 15سم في الأرض و الأخطر من ذلك أن أحد شمعات هذا البرج ضعيفة حيث يميل البرج في كل مدة نحوه الشرق آيلان لسقوط والسكان يرفضون ترك هذه البرج ؛لأنه يعتبر الأقل أجرة في المنطقة .
    كلا البرجين لا يوجد على بابه أي سيارات لأنه في برج دبي تصعد السيارة إلى باب الشقة وبرج القاهرة لا يملك أحد من قاطنيه أي سيارة. وبرج القاهرة ليس لدية أي تمديدات كهربائية لا بسب أنه يعمل على الطاقتين الشمسية والرياح, بل ؛لان السكان لا يملكون المال لدفع فوتر الكهرباء.

    كلا البرجين يتوفر فيه عناصر من رجال الأمن ولكن في برج القاهرة لا تتوفر لحماية السكان بل لإخراجهم بسبب أنهم لم يدفعوا الأجرة الشهرية، وبذلك يكون هو الاختلاف الوحيد حيث أن الشقة في برج دبي ملك أما الشقة في برج القاهرة بالإيجار.

    والآن ما رأيك أن كلا الجنسين في كلا البرجين من بني البشر, ولا يوجد أي اختلاف يبنهما فكلاهما من دين واحد و للغة واحدة وتاريخ واحد.
    ولذلك تعد عمان نموذج عن البرجان ولكنه مصغر.