د.أحمد جميل عزم

"ماء السماء".. قصص اللجوء في إربد

تم نشره في الأحد 8 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

تعجز أحيانا عن الاستمرار في قراءة رواية يحيى يخلف الجديدة، "ماء السماء"، وتفرض عليك أن تَقْلِبَ الكتاب مفتوحا على وجهه، حتى تلتقط أنفاسك وتستوعب ما يجري بين الأسطر ثم تعاود القراءة مجددا، متابعا هذا "الفتح الأدبي" الجديد الذي حققه يخلف بانتباهه إلى أبعاد جديدة في اللجوء الفلسطيني.

تساءلت قبل الشروع في قراءة الرواية كيف ستأتي رواية جديدة عن قصص اللجوء الفلسطيني؟ وهل ستعتني بالتوثيق أكثر من اللمسات الفنية الجميلة، على النحو الذي جاءت فيه رواية سابقة ليخلف، "تلك الليلة الطويلة"، التي وثّق فيها يوم سقطت طائرة الرئيس ياسر عرفات في الصحراء الليبية عام 1992؟

ولكن التصفح السريع للرواية يدفع لقراءتها، إذ تتضمن الرواية تفاصيل عن لجوء أهل شمال فلسطين إلى شمال الأردن، وبدء التمازج بين الشعبين هناك، وكيف حطت بعض العائلات في مناطق المخيبة والحمّة قبل أن تنتقل إلى مخيمات إربد.

كان الحديث عن مصير الحيوانات من أقوى ما جاء في الرواية، وكيف حاول أهالي طبرية وسمخ في شمال فلسطين، حماية "الدجاج والماعز والفرس الأصيلة الصبوح والبغل العجوز"، ثم كيف اصطحبوا معهم بعض تلك الحيوانات في مسيرة اللجوء، ويروي كيف استحم اللاجئون في المياه المعدنية الساخنة القريبة من مكان اللجوء الأول، وكيف ناموا في الأيام الأولى إلى جانب الفرس المسماة (الحمامة)، ولكن (الحمامة) نفسها عندما أصبحت "لاجئة" لم تعد تنال الاهتمام ذاته ولم يعودوا يقودونها كل صباح إلى البحيرة لغسلها، ولم يعد واردا إطلاق العنان لها في السهل الواسع لتنطلق عادية تسابق الريح.

في زمن اللجوء تتحول تلك الفرس إلى حيوان مهمل يستخدم لحمل مؤن اللاجئين، مقابل طعامه وطعام صاحبه، وينتهي الأمر بالفرس بعد موتها بسرقة جثتها من أجل سلخ جلدها واستعماله في صناعة "طبل". يومها نعاها أحد اللاجئين بقوله "اسمعوا يا ناس.. الفرس البيضا الفرس المدللة إلى كان يطعمها الحاج حسين اللوز والسكر أيام البلاد ماتت. لم تمت موتا كريما وإنما فطست في خان حدو مثلما تفطس الكلاب. جاء التركتور وسحبها إلى المزبلة".

أمّا الكلب الذي كان يسمى (الذيب أبو فروة بيضاء) الذي كان بدوره "مدللا كالأطفال" والذي كان "زينة الدار بفروته البيضاء" والذي اعتاد السباحة والركض في سهول المنشية في فلسطين، والذي "لم يكن يعاشر الكلاب الضالة"، فإنّه ينتهي بعد أن اشتكى أصحاب الخيام المجاورة من نباحه ومن خوف أطفالهم منه...كلبا متسكعا يبحث عن طعامه في الزبالة، ويختلط  بقطيع من الكلاب السائبة، ويتعرض للنهش من الكلب الذي يقود القطيع فيخوض معركة معه ويتغلب عليه ويتحول إلى كلب شرس تهابه الكلاب ثم يتحول كلبا مسعورا "تهابه الكلاب، وتخشاه القطط والدجاج، ويجفل منه حمار البرجاوي المحمّل بالأقمشة". على أنّه "بين حين وآخر، كان يقترب من خيمة الحاج حسين مدفوعا بالحب والحنين، يختلس النظر، وتصدر عنه أصوات مكتومة تشبه النهنهة، ويبقى كذلك إلى أن يأتي من يضربه بالعصا، أو يرميه بالحجارة" قبل أن يقتلوه خوفا منه.

ولكن فقراء المخيم يتمكنون من انتزاع الفرح رغم المأساة، إذ يصور يخلف كيف تتمكن مجموعة نسوة في ليلة ثلجية باردة أن ينسين مآسيهن ويقودهن الوجد والحنين للماضي ولرجال غائبين إلى الغناء والطرب ثم الرقص والفرح، حيث "الفرح يخترق الشقاء" لساعات قليلة مختطفة.

ثم يصف يخلف بداية تفاعل اللاجئين في مجتمعهم الجديد وتشكل نسيج جديد للعلاقات الاجتماعية، ويقدم وصفا للحركة السياسية، بما فيها من تناقضات وعيوب، فهو لا ينسى أن يكشف كيف أن الانتماء للحركات السياسية القومية العربية واليسارية الشيوعية، لم يخلُ أحيانا من البحث عن مكانة اجتماعية جديدة تماما كما كان الانتماء لهذه الحركات بدافع الإيمان بالعروبة وسعيا لتحرير فلسطين. كما يصور يخلف بدايات ظهور الحركة الإسلامية المنظمة في المخيمات والتي جمعت متدينين ينطلقون من نوايا صادقة، بقدر ما ضمت من يبحث عن مكانة اجتماعية وسلطة ومكاسب مادية، ولا ينسى كيف أصبح التعليم في أوساط اللاجئين وسيلة خلاص.

وهو يصف على نحو ملحمي ليلة يبكي فيها الشرطي في إربد عندما يجالس اللاجئ الذي يبكي فرسه، التي كانت عزيزة القوم يوما ما وماتت لاجئة بعد أن أمست دابة بين الدواب. ويصف أسراب الطيور المهاجرة التي يتطلع إليها اللاجئ ويشرح قصة مواسم هجرتها لأطفاله، ليستنتج هؤلاء وحدهم أنّهم قد يعودون يوما للوطن كما هي الطيور المهاجرة.

تتضمن الرواية بعدا توثيقيّا مهما لأحداث في منطقة إربد وما حولها في الخمسينيات، ولانتقال لاجئين للأغوار للعمل في الزراعة ولذهابهم إلى دمشق للدراسة واندماجهم في حركة سياسية نشطة.

وتنتهي الرواية زمنيّا مع نهاية الخمسينيات، ولا تمضي دون ذكر وجيز لنشوء حركة "فتح" ولإيراد اسم مؤسسها خليل الوزير، (فيما يبدو أنّه تمهيد للجزء التالي من الرواية)، وبذلك فإنّ الرواية تتضمن بعدا تاريخيا توثيقيا مهما لكل من التاريخ المعاصر لفلسطين والأردن خصوصا في جانب التاريخ الاجتماعي، وكل ذلك ضمن اللغة السلسة الجذابة التي تمتاز بها روايات يخلف عادة، وبكل ما فيها من قدرة عالية على تصوير اللحظة وتشريحها  والتقاطها من قبل عين ذات حس إنساني عالٍ.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تجربة غير موثقة (حسن العمري)

    الأحد 8 آذار / مارس 2009.
    کونی من آبناء قرى إربد أود أن أضيف ما رواه لي الناس في قريتي عن استقبالهم للاجئين الفلسطينيين واقتسام البيوت والمؤونة (مونة الشتوية) معهم و قوع حالات مصاهرة ونسب بينهم . وكذلك لجوء الفلسطينيين إلى أبناء عمومتهم من القبائل نفسها؛ فمثلا لجئ إلى قريتنا ديريوسف مجموعة من عشيرة العمري ومن ثم انتقلوا إلى مدن إربد وعمان والزرقاء. برأيي أن ثمة قصور في ثوثيق تجربتي اللجوء والنزوح إلى الأردن وتفاعل أهل شرق الأردن مع الاجئين قبل حدوث فتنة 1970 . إن إعادة توثيق هذه التجربة ودراسة جوانبها الاجتماعية - الانسانية قد تخفف من حدة النظرة السلبية الاتهامية للشرق أردنيين تجاه القضية الفلسطينية والفلسطينيين .