د.أحمد جميل عزم

كيف يحافظ الزعماء على كراسيهم؟

تم نشره في الجمعة 6 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

 إذا فشلت الشعوب والمؤسسات الوطنية في محاسبة حكامها وحكوماتها، فلا يجب أن نستغرب التدخل الدولي بكل ما فيه من ازدواجية معايير

عندما حاصر الإسرائيليون الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، قبل سنوات، وبدأت قنوات تلفزيونية مثل قناة "الجزيرة" بتخصيص مساحات من الوقت لتلقي اتصالات الناس العاديين، اتصل أستاذ جامعي يعيش في أوروبا وبدأ كلامه بأنّه طوال عمره يعارض ياسر عرفات ولكنه اكتشف (في ذلك اليوم) كم هو عرفات وطني ومناضل ومخلص. وكان هذا الحديث ممن يفترض أنّه أستاذ أكاديمي تجسيدا تاما لعاطفتنا ومفاهيمنا الخاطئة المتقلبة، فهل كان ضروريا حصار عرفات واغتياله حتى نعرف "محاسنه"؟، ثم ما الذي حدث حتى نعرف ذلك، هل لمجرد حصاره اكشفنا وطنيته؟ أليس اكتشافا متأخرا جدا...تماما كاكتشاف حركة "حماس" ذلك بعد وفاة عرفات، وبعد أن كيلت له التهم طوال عقود قبل اغتياله؟

ليس الهدف من المقال محاكمة سياسات قائد ما، أو الحكم عليها، بل مناقشة ردود فعلنا العشوائية المتغيرة بين ليلة وضحاها، لأسباب غير موضوعية، فمثلا هل لو كان هناك زعيم إسرائيلي يوافق على مطالب القيادة الفلسطينية السابقة، بالحل على أساس الدولتين، وسارت الأمور على ما يرام ورأينا مصافحات ورأينا سفارة إسرائيلية في القدس الشرقية، سيكون رد فعل من يتحسرون على عرفات الآن ذات رد الفعل؟

بعيدا عن فلسطين، إذا ما حدث أن زعيما استلم الحكم في انقلاب عسكري، ورفع شعارات دينية أو أيديولوجية معينة، ثم انقلب على شركائه في الانقلاب، وخصوصا من شركائه الذين قاموا بتقديم الغطاء الأيديولوجي أو الديني لتوفير شرعية الانقلاب، فقام بسجنهم، ثم لم يحل الصراعات في بلده بل وتفاقمت في عهده وتراجعت التنمية، وقام بقمع شعبه، وانتشرت الصراعات من شتى الأنواع القبلية والطائفية التي يعود جزء كبير منها لغياب سلطة الدولة، ولغياب التنمية التي تؤدي لتوفير فرص عمل ولبناء مؤسسات دولة حديثة، وحدثت مجازر قام بها أطراف من الشعب ضد طرف آخر وقامت الدولة إما بدعم طرف ضد آخر، أو عجزت عن ردع المعتدي، هل يكفي بعد ذلك كله، أن يصبح هذا الحاكم مطلوبا من هيئة أو محكمة دولية ليصبح بطلا تدافع عنه الأمة؟!

وهل يكفي أن يقول زعماء دول أو تنظيمات إنّهم ضد إسرائيل وضد السلام رغم أنّ كل ما على الأرض من شواهد يؤكد أنّ نضال هؤلاء الزعماء لا يتعدى الشعارات وأنّ ما يقدمونه على الأرض لجماعات ومجموعات مقاومة يأتي في  إطار تحسين الأوراق التفاوضية في المجتمعات الدولية، ورغم ما قاموا به من مجازر وملاحقة ضد الفلسطينيين أنفسهم يوما؟ هل يكفي بعد ذلك إعلان شيء قد يسمى "الممانعة" لضمان صيانة حكمهم أو زعامتهم العائلية الجمهورية والنضالية الطائفية المذهبية المغلفة بشعارات عروبية أو إسلامية؟!

أليس الحل بيد بعض المتهمين – عن حق – بموقف متخاذل في دعم المقاومة الفلسطينية، أو حتى المتهمين بالعداء لها، والوقوف مع قوى العدوان أن تبدأ حملة غربية أميركية إسرائيلية ضدهم حتى تنسى نخبنا الشعبوية، غدا، كل ما اقترفته أيدي هؤلاء وكل إخفاقاتهم السابقة وكل اتهامات الفساد التي كانت تحيطهم حتى الأمس ليتحولوا إلى أبطال؟!

إنّ العداء من قبل قوى أجنبية ليس كافيا للغفران لزعيم ما ولإعطائه الشرعية، فمصادر الشرعية الانتخابية والدستورية معروفة. كما يضاف إلى ذلك "الفعالية" التي هي مصدر أساسي للشرعية، فالفعالية في تحقيق التنمية والتقدم اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا وعلميّا، وحفظ الأمن، وضمان الحريات، والتصدي للقضايا الخارجية من مثل رد العدوان وحمل الشطر الذي يجب على الدولة أن تحمله في قضايا قومية عربية، مثل فلسطين والعراق، هي مصادر الشرعية الحقيقية ومعيار الحكم على الزعماء، لا نسيان كل ذلك مع أول انتقاد أو استهداف من طرف دولي، ومن يحقق من الزعماء كل ذلك يستحق أن تتحرك الشعوب للدفاع عنه. لا أن تدخل الشعوب والدول في أزمة دولية تستمر سنين طويلة فقط لمجرد استمرار شخص في الحكم رغم فشله في أداء مهماته سابقا. من ناحية أخرى يجب أن نعلم انّه إذا ما فشلت الشعوب والمؤسسات الوطنية الذاتية في التصدي لوضع الأمور في نصابها، ومحاسبة حكامها وحكوماتها، بشأن مدى ديمقراطيتها وفعاليتها وعدم فسادها، فلا يجب أن نستغرب التدخل الدولي بكل ما فيه من ازدواجية معايير وأهداف سياسية غير نقية، وأغراض خفية.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل واقعي (Yahia)

    الجمعة 6 آذار / مارس 2009.
    يقدم الكاتب أحمد عزم تحليل واقعي لطريقة تفكيرنا في العالم العربي في الزعامات ومدى شرعيتها حيث أن السطحية تجعل الشعارات تسيطر على ردود فعل الرأي العام والواقع الفعلي والنتائج على الأرض لاتلعب دورا كبيرا في تشكيل هذا الرأي، ومن الناحية الأخرى نرى بأن العاطفة وليس العقل هي من يحكم هذا الرأي في غالب الأحوال والأزمات. ومن يبحث عن الشرعية في عالمنا العربي سيجد العجائب، فلا صناديق اقتراع نظيفة ولا اقتصاديات منتجه ولا عدالة اجتماعية ولا تكافؤ فرص ولا دفاع عن الوطن من أعداء الداخل والخارج وكرامة الإنسان هي آخر الأولويات.