هل يطفئ الحوار الديني نيران الغضب السياسي؟

تم نشره في الجمعة 6 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

 شهدت المملكة المتحدة وبقية العالم في الأسابيع الأخيرة تفاؤلاً واسعاً وحزناً في الوقت نفسه. اجتمع المؤمنون في الولايات المتحدة، مثلهم مثل غيرهم في كافة أنحاء العالم، وكلهم حماسة وإثارة حول تنصيب باراك أوباما وما يمثله هذا الحدث من احتمالات عديدة. المحزن أننا شاهدنا أيضاً مأساة النزاع العنيف في غزة وهي تنتشر قبيل تلك اللحظة.

اجتمع الزعماء المسلمون واليهود البريطانيون في أعقاب المأساة والأمل معاً لوضع مبادرات عبر الأديان، ليست مهمة لتحقيق التناغم بين الجاليات في المملكة المتحدة فحسب، وإنما صُممت لإلهام الزعماء السياسيين في الشرق الأوسط للعمل من أجل سلام دائم بين إسرائيل وفلسطين.

شهدت بريطانيا أثناء نزاع غزة ازدياداً في كل من المشاعر المعادية للسامية. كانت هناك هجمة إشعال النيران في كنيس بمدينة لندن، وهوجمت ابنة زعيم ديني مسلم في وسط لندن وتركت فاقدة الوعي. وحذرت كل من الحكومة والمنظمات الإسلامية المحلية أنه يمكن استغلال النزاع من قبل منظمات متطرفة في محاولة لزيادة تطرف الرأي العام.

إلا أنه رغم هذا التوتر كانت هناك مؤشرات مشجعة. أصبح الحوار بين المسلمين واليهود البريطانيين، الذي عمل النزاع العربي الإسرائيلي على خنقه لمدة طويلة، أكثر صراحة وبشكل مباشر، وشمل محاولات أكبر لإيجاد تناغم في المواقف الدينية والسياسية.

وقد تحدثت جميع الأطراف، خلال عدة اجتماعات عقدت في لندن بين زعماء الأديان اليهود والمسلمين خلال النزاع، وضمت أعضاء في "منتدى الأديان الثلاثة" و"منتدى لندن اليهودي" و"دائرة المدينة"، وتكلموا بصراحة حول مشاعرهم فيما يتعلق بغزة، بتعبيرات تنمّ عن الصدمة الشديدة لمعاناة المدنيين على الأطراف كافة وتصميم متجدد لإيجاد أساليب جديدة عملية لتشجيع تحقيق تسوية سلمية عادلة في الأراضي المقدسة.

ورغم التوتر السائد، نتج عن النية الحسنة من قبل الأطراف كافة، في لندن، بيان مشترك عام من قبل زعماء العديد من الأديان، بما فيها الأديان الإبراهيمية الثلاثة، تلزم هذه الجاليات بالتعايش السلمي.

وقد لاقى هذا البيان الذي أطلق عليه "مواقف لندن المتحدة" الترحيب من قبل إعلام التيار الرئيس، وحصل على تغطية البي بي سي وصحيفة التايمز ضمن وسائل إعلامية أخرى. ناشد البيان الجاليات الوقوف معاً، حيث صرّح: "بالدرجة الأولى نحن مصممون على ضمان أن تعمل هذه الجاليات العرقية والدينية في المدينة على الاستمرار في بناء هذه المدينة معاً. جميعنا من سكان لندن الملتزمين بنمو المدينة وازدهارها".

رحب الزعماء اليهود ببيان منفصل أصدره الزعماء المسلمون البريطانيون، يناشد جالياتهم معارضة وتجنب السلوك اللاسامي بصلابة، بعد أن أصبح واضحاً أن بعض التصرفات المعادية للسامية قد قام بها مسلمون.

أعرب الزعماء اليهود والمسلمون بشكل متكرر عن أملهم بأن يتمكن اليهود والمسلمون الذين يعيشون معاً بتناغم في أوروبا من أن يكونوا مثالاً يحتذى لزملائهم في الدين وللزعماء السياسيين في الشرق الأوسط.

إلا أننا نعرف نحن الزعماء أن مشاركتنا ونيتنا الحسنة في مبادرات محلية عبر الأديان ليست كافية. حتى يتسنى بذل جهود حثيثة نحو حل النزاع العربي الإسرائيلي يحتاج العالم الإسلامي أن يتقبل فكرة وجود إسرائيل، وهو أمر لم يفعله بعد.

ما زال المسلمون على ما يبدو لا يتقبلون، حتى بعد مرور أكثر من ستين سنة، خسارتهم لأجزاء من فلسطين وهو حدث شكّل صدمة لهؤلاء الذين عاش أجدادهم في الأراضي المقدسة لمدة 12 قرناً. وتظهر حقيقة أن عدداً قليلاً فقط من الدول الإسلامية الخمسين تقريباً، مثل الأردن ومصر، لها اتفاقيات مع إسرائيل، تظهر حجم المشكلة.

إلا أن العالم الإسلامي وحده لا يستطيع تحقيق السلام في الشرق الأوسط. يجب أن تجري ملاقاته في منتصف الطريق. يتوجب على إسرائيل أن تتنازل عن احتلالها غير الشرعي ومستوطناتها في الضفة الغربية. وحتى يتسنى ذلك فهي بحاجة لتأكيدات بأن العالم العربي والإسلامي سيعترف بوجودها ويحترمه.

حاولنا، ضمن عملنا في مجال الأديان أن نضع نموذجاً لذلك الاحترام بين المجموعات المحلية، وأن نناشد الزعماء السياسيين تشجيع سلام دائم بين مجموعتين أكبر حجماً بكثير: الإسرائيليين والفلسطينيين. يحتاج زعماء الأديان والزعماء السياسيون اليوم، مع صمود وقف إطلاق النار في غزة ووجود رئيس أميركي جديد يلهم الأمل حول العالم، أن ينتهزوا الفرصة للعمل معاً بمنطق وإحساس وإدراك واتخاذ قرارات شجاعة صادقة من أجلنا جميعاً.

* إمام ومحاضر جامعي مركزه لندن ينشط في مجال حوار الأديان.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حوار الأديان الكاذب (سمير)

    الجمعة 6 آذار / مارس 2009.
    عندما يستغل الحوار الديني للقفز على محاكمة جرائم الحرب كما فعل بعض رجالات العرب في حوار الأديان في نيويورك يصبح حوار الأديان حلقة أخرى في مسلسل التخاذل العربي الرسمي والتملق لأمريكا على حساب ضحايا عدوان أمريكا والصهيونية على العرب والمسلمين. بل ويصبح الحوار اداة لخرق حقوق الإنسان حيث يجتمع طاغية مع محتل قاتل تحت غطاء حوار الأديان ليتفقوا على الشعوب المقهورة بإسم التسامح. وهذه هي خلاصة الليبرالية الجديدة المسخة.