هل نقولُ وداعاً للقانون الدوليّ؟!

تم نشره في الثلاثاء 17 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

فعلتها إسرائيلُ مجددا ورفضت الانصياعَ لآخر قرار رقم 1860 الصادر عن مجلس الأمن، القاضي بوقف العمليات الحربيّةِ فورا، والذي يُفترضُ أنه كان "ملزما" بطبيعته. وهاهي علامات الاستفهام تتزايد معدلاتها يوما بعد يوم حول مدى فعالية وجدية الامتثال للقانون الدوليّ في عالم اليوم، وإلى متى يحولُ التحيّز الأميركيّ المطلق لصالح إسرائيل دون تقديم المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والإبادة التي يقومون بها ضد الشعب الفلسطينيّ الأعزل للمحاكمة الدوليّة؟! وإلى متى أيضا ستظل الدول الكبرى تستخدم "المعايير المزدوجة" في تقييم الصراعات المشتعلة في الشرق الأوسط حاليا ومستقبليا؟!.

وإذا كان معلوما أنّ الحرب بحدّ ذاتها هي جريمة عدوان، وفقا لتعريف الأمم المتحدة، وأن استهداف المدنيين والمرافق غير العسكرية هو أمر تحرمه مواثيق جنيف الأربعة أيضا، فضلا عن استخدام أسلحة محرمة دوليا أو ما تزال خاضعة بدورها للتجارب، إلا أنه على الرغم من انتهاك إسرائيل المواثيق الدولية  كافة هذه إبان عدوانها الغاشم على لبنان لعبت الولايات المتحدة الأميركية دورا مهما في تعطيل مهام عمل مجلس الأمن خلال حرب تموز (يوليو) 2006 حيث حالت دون اتباع المجلس تقليدا دبلوماسيا راسخا بأن يصدر قرارا بوقف الحرب أولا قبل أن ينظر في إدعاءات أطرافها المختلفة.

وبطبيعة الحال كان موقف إدارة بوش مفهوما تماما تبعا لسياق ما سماه بالحرب على الإرهاب وتشكل الشرق الأوسط الجديد ونكاية في حزب الله أملا في أن يتم القضاء عليه نهائيا. لكن الغريب في الأمر أنه ما إن أثبتت المقاومة اللبنانية صمودها المذهل في وجه العدوان منتصرة عليه نهاية الأمر حتى هرولت الدول الكبرى الداعمة للكيان الصهيونيّ بزعامة الولايات المتحدة لإنهاء حالة الحرب بين الطرفين ووقف القتال.

غير أن الطريقة ذاتها التي تم بها إنهاء القتال وما تضمنته من شروط على الجانبين لم تأخذ في الحسبان لا فطرة العدالة ولا القانون الدوليّ ولا حتى حسابات الربح والخسارة، وإنما على العكس تماما منح القانون رقم 1701 إسرائيل (وهي المعتدية على لبنان) أكثر مما تأمَلُهُ لقاء عدوانها هذا، على عكس ما تمليه الاعتبارات القانونية الدولية التي تعاقب على جريمتي العدوان واستهداف المدنيين والأفراد العزل بالملاحقة والمحاكمة قضائيا.

ليس غريبا إذاً، والحالة هذه، ألا تجد إدارة بوش، اللامأسوف على رحيلها، حرجا في تجاهل حكم محكمة العدل الدولية المتعلق بجدار الفصل العنصري الإسرائيليّ، بل إنّها دفعت إسرائيل دفعا لتجاهله أيضا! كما لو أن أمن إسرائيل مقدم لديها على حساب سلام المنطقة بل والعالم أجمع. وفي السياق ذاته، لم تنجح الدعوة لعقد اجتماع للدول الموقعة على اتفاقيات جنيف الرابعة كذلك للنظر في خروقات إسرائيل لهذه الاتفاقية بفضل انحياز بعض الدول الأوروبية للجانب الإسرائيلي. 

وبطبيعة الحال، تكمن الخطورة هاهنا في إمكانية عدم امتثال دول أخرى على غرار إسرائيل، خاصة تلك التي تنتشر بها النزعات المسلحة والحركات والانفصالية، والبحث عن التمتع بالحصانة نفسها التي تمتلكها إسرائيل اليوم ما يعني ببساطة شديدة سقوط خطاب القانون الدولي في الحضيض ومن ثم انحدار البشرية في مهوى سحيق من شريعة الغاب.

أما على الجانب العربي فتتفاوت المواقف في الحكم على، وتقييم، مثل هذا الانحياز. فمن جهة، تتذرع الحكومات والأنظمة العربية بقوة التحالف الغربيّ الإسرائيليّ الذي يحول دون تقديم المسؤولين الإسرائيليين للمحاكمة الدولية. ومن جهة ثانية، تواصل الجماهير والشعوب العربية الإسلامية تظاهراتها وإداناتها ضد التحيّز الأميركيّ الصارخ بحق القضية الفلسطينية. ومن جهة ثالثة، نلاحظ إلى جانب الإدانة المتواصلة من قبل الإسلاميين للإدارة الأميركية إنكارا ضمنيا، وصريحا في بعض الحالات، بشرعية القانون الدوليّ استنادا إلى عدم فعاليته الحالية.

أما على صعيد موقف الإدارة الأميركيّة الحاليّة برئاسة أوباما، فيبدو أن المؤشرات تدل على استمرار هذا الانحياز حتى وإن بدا بصورة أقل حدة عما كانت عليه الإدارة السابقة. ومما يؤكد ذلك أنه في الوقت الذي خرج علينا أوباما بتصريحات يدين فيها التفجيرات التي وقعت بمنطقة مومباي قبل فترة، التزم على العكس من ذلك صمتا مريبا إزاء محرقة غزة الحالية بحجة أن لأميركا رئيسا واحدا ولا يود مشاركته المسؤولية، ما خيب الآمال المعقودة عليه، بحسب الحسابات العاطفية لا السياسية، من جانب المسلمين الذين تعالت أصواتهم على امتداد العالمين العربي والإسلامي متسائلة عن موقفه من الحرب الدائرة، مثلما تعالت من قبل مهللة لفوزه في الانتخابات الرئاسية!

ومن ثم يبدو أن التعويل المفرط على أوباما ليس مجديا بحال من الأحوال. ويكفي النظر إلى مسيرة حملته الانتخابية والتي تجاهل فيها تماما الاتصال بالجاليات الإسلامية (تقدر بحوالي 7 ملايين نسمة) خشية أن يستغل ماكين شيئا كهذا ضده بموازاة الحديث عن خلفيته الإسلامية مفضلا خسارة مليون صوت انتخابيّ على الدخول في مغامرة كتلك، ومعلنا لاحقا (من قلب مستوطنة سيدروت) أن أمن إسرائيل قضية مقدسة مُطالبا ببقاء القدس عاصمة موحدة (أبدية) لها!

ومما يزيد الأمور تعقيدا حالة الانقسام العربي حاليا بحيث لا يمكن على الأقل تكوين جبهة موحدة تعمل على توظيف آليات القانون الدولي في خدمة قضية فلسطين المركزية. ويبدو أنه في ضوء المتاح حاليا ليس أمام الدول العربية والإسلامية سوى تجميد عضويتها في الأمم المتحدة احتجاجا على عدم إلزامية قراراتها بالنسبة لإسرائيل في مقابل التزام العرب ببنود القوانين الصادرة عنها.

لكن المشكلة أعمق من ذلك بكثير لأن المؤسسات الدولية كافة التي تعمل على تطبيق القانون الدولي بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة خاصة ما يتعلق بمنح حق الفيتو للدول الكبرى وما يترتب على ذلك من انعدام المساواة بين الدول الأعضاء.

*باحث وكاتب مصري.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مشروع منبر الحرية

www.minbaralhurriyya.org 

التعليق