تراجع السياسة الخارجية الاردنية

تم نشره في السبت 14 شباط / فبراير 2009. 02:00 صباحاً

القارئ لتاريخ الدبلوماسية الاردنية منذ تأسيس الدولة يخلص بسهولة لاستنتاج انها كانت دوما تنمو وتترعرع في ظل الظروف الاقليمية التي تشهد تناغما نسبيا بين دول الاقليم خاصة العربية منها، ويضعف دور الاردن ويتهمش في الاوقات التي تسود فيها حالة من الانقسامات الحادة كالتي نشهدها حاليا. ونحسب ان الدبلوماسية الاردنية تحسد تلك الاقليمية الاخرى نظرا للتعقيد الشديد الذي ينتاب عملية صنع القرار السياسي الخارجي الاردني في ضوء انقسامات حادة تنزع عن الاردن قدرته على الاحتفاظ بوسطيته التي باتت "هدفا ووسيلة" في آن معا بالنسبة لحرفة الدبلوماسية الاردنية، ويكفي ان نذكّر بقراراتنا صعبة المخاض في حرب حزب الله مع اسرائيل في عام 2006 وموقفنا من اطراف الانقسام الفلسطيني المتناحرة وموقفنا من قمة الدوحة وشرم الشيخ، والتي شكلت كلها تحديات بسبب تعقيد عملية الحساب السياسي التي سبقتها. معظم الدبلوماسية الاقليمية الاخرى اخذت جهدا وتفكيرا اقل بكثير عند اتخاذ قرارتها بشأن هذه الازمات، ذلك انها تنتمي لحلف واضح المعالم والاجندات وهي لذا لا تسعى للاحتفاظ بوسطيتها فذلك ليس من ضمن قائمة اهدافها.

      الحدية الشديدة السائدة في خارطة توزيع التحالفات الاقليمية وتعقيد وتعارض الاجندات الاقليمية المختلفة، رتبت على الاردن تهميشا يزعجه، بعد ان بات المجتمع الدولي ينظر لدور الاردن لا على انه احد قادة معسكر الاعتدال الاقليمي بل منتسب منضبط تحت لوائه وانه الدولة الجيدة والمتحضرة في اقليم مليء بالسيئين. الامر مزعج للاردن لدرجة انه لا يفوّت فرصة الا ويحاول ان يرسل رسائل للجميع انه لا يجب ان تؤخذ مواقفه وتوجهاته المنضبطة مع توجهات المجتمع الدولي كمسلمات، وانه يريد ان يستمر بالجلوس على خارطة التخطيط والتوجيه للسياسة في الشرق الاوسط. وعلى سبيل المثال، فإن رغبة الاردن ومصلحته العليا بعدم لعب دور في الضفة الغربية لاسباب ليس الان مكان شرحها، لا يعني بحال ان لا ينظر للاردن اكثر من مجرد الدولة التي تدرب الشرطة الفلسطينية بكفاية واقتدار عاليين، لان للاردن مصالح عالقة كثيرة في هذا الصراع لذا فهو معني بكل حرف يكتب عنه. واذا كان الاردن لا يريد ولا مصلحة لديه بمنافسة دور الوسيط المصري او التمويل السعودي، الا ان ابقاء دوره في التخطيط لمستقبل هذا الصراع ضمن حدود ما هو عليه الان ليس في مصلحة احد وانه سيكون مضطرا لمزيد من الاستقلالية او الاحادية السياسية اذا لم يكن جزءا اصيلا من جهود التحرك السياسي الاقليمي في هذا الملف. 

قبولنا بأهمية الثقل الكبير لخارطة التحالفات الاقليمية على السياسة الخارجية الاردنية لا يعني ان دبلوماسيتنا مبررة الاخطاء بل ان لها اخفاقاتها الجدية، فهي في فترة انغمست في مثالية غير مقبولة تستند لقاعدة عدم التدخل بشؤون الغير في اقليم ينتشر فيه تصدير عدم الاستقرار كأحد اكثر ادوات السياسة الخارجية فعالية، وبعد ان تراجعنا عن تلك المثالية المؤذية، دخلنا في خطيئة اخرى بانقيادنا خلف رأي عام اقليمي جامح ومركزْنا سياستنا الخارجية الى يمين دول كالسعودية ومصر وخاطرنا لبرهة في دورنا التاريخي كشركاء في صياغة اجندة الاعتدال الاقليمي الذي اكسبنا سمعة وانطباعا دوليا لا يجب المغامرة بفقدانه. ونؤكد هنا انه وبالرغم من ان التناغم والانسجام بين دول الاقليم الذي ينبئى بها عن ندية مؤذية يعطي الاردن مرونة سياسية للحركة والترعرع والقبول، الا ان ذلك قد يقلل فرص مكتسباته السياسية لان لا احد يحتاج اليه للانضمام لحلف ما. في حين ان انتشار حالة من الانقسام الاقليمي قد يشكل فرصة تفاوضية جيدة للاردن رغم انها تهمش دوره السياسي ويستطيع الاردن ان يكون بريطانيا القرن الثامن عشر والتاسع عشر عندما لعبت هذه الدولة دور الموازن في اوروبا بترجيح كفة من تميل معه وبهذا فقد عززت موقفها الاوروبي واكسبته منعة وباتت في موقع من يحتاجه الجميع ويسعى لكسب رضاه. هذا ما يجب ان يكون الافق الذي تسعى اليه الدبلوماسية الاردنية.  

mohamed.momani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المسؤولون العاجزون عن اللحاق بركب القائد (ليلى)

    السبت 14 شباط / فبراير 2009.
    التراجع ليس في السياسة وحسب. هو كذلك في الاقتصاد والتنمية والاصلاح والشؤون الاجتماعية والزراعة والتعليم والصحة وفي شؤون المراة والطفل والرياضة...الاداء الحكومي لا يسر الصديق ولا يبعث التفاؤل.
    همة عالية لقيادة متميزة تحفز الحجر قبل البشر يتبعها اداء متواضع يكاد لا يقوى على التحرك في اي اتجاه.
  • »نعم لتفعيل السياسة الخارجيه الاردنيه (الدكتور ناجى الوقاد)

    السبت 14 شباط / فبراير 2009.
    اتفق مع د. محمد حسين المومنى على ما جاء فى مقاله(تراجع السياسة الخارجيه الاردنيه)
    من المعلوم جيدا ان سياسةالاردن الخارجيه مشهود لها بالديناميكيه على المستوى العربى والدولى لان السكون فى السياسة يؤدى الى التهميش وفقدان التاثير فى الاحداث
    ونظرا لموقع الاردن فى قلب الاحداث فى هذه المنطقه المضطربه من العالم يتحتم عليه ان يلعب دورا هاما فيهافلو نظرنا شرقا لوجدنا بان تداعيات الحرب الامريكيه على العراق ما زالت تتفاعل اماغربا فمن قريب توقف العدوان الغاشم على غزه الذى عوضا عن الضحايا والدمار الشامل الذى لحق باهلنا فى غزه اسفر عن فوز القوى اليمينيه المتطرفه والفاشيه فى الانتخابات الاسرائيليه التى جرت مؤخرا وهذا ان دل على شئ فانما يدل على توجه المجتمع الاسرائيلى بشكل عام نحو مزيد من التطرف والعداء السافر للعرب
    لذا ونظرا لحساسية هذه المرحله التى تتطلب مزيدا من الترقب والحذروالاستعداد لاى طارئ فالمطلوب اتباع سياسة نشطه ومرنه مع التركيز على ثوابت السياسة الاردنيه وليس من المستحسن اتباع ما يطلق عليه ب(السياسة المركبه) التى تتيعها بعض دول المنطقه كان تحاول ان توفق بين سياستين متناقضتين لمعسكرين متضاربى المصالح فى ان واحد معا بل انتهاج السياسة التى تحافظ على مصالح الاردن وتكون عونا ورديفا للاشقاء عند الحاجه
  • »غريب !!! (زيد منصف)

    السبت 14 شباط / فبراير 2009.
    المصلحة الأردنية هي في المصلحة العربية الإسلامية وعليه يجب أن لا نعمل فقط لمصلحتنا بل يجب أن نكون طرف في فكر يصدر سياسة تهدف إلى تحسين الوضع الإقليمي وليس الأردني فقط.