د.أحمد جميل عزم

كتائب الصهيونية الدينية الجديدة

تم نشره في الأربعاء 11 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

 إنّ التغيرات في إسرائيل تتواتر على نحو هائل، فالفرز بين المتدينين والعلمانيين يجري بوتيرة سريعة، وتتميز المعركة بينهما بهرب العلمانيين "المعتدلين" من المواجهة

 

نشرتُ قبل أيّام مقالا عن عقيدة "العماليق" في فكر الجماعات اليهودية الدينية والتي برزت بقوة في حرب غزة الأخيرة، وكتب الزميلان أسامة شحادة وسامر خير، مقالين حول هذه الجماعات ودورها في الحرب، وجاءت المقالات وتعليقات القراء على المقالين لتكشف الحاجة للمزيد في بحث هذه الإشكالية، إذ إن رفضنا لتصنيف كل يهودي على أنّه صهيوني لا ينفي أنّ الفوارق داخل إسرائيل تكاد تنتهي، فقراءة خارطة المواقف السياسية الإسرائيلية تؤكد تحول اليمين الديني المتطرف غير الصهيوني لتبني مواقف سياسية صهيونية.

في نهاية التسعينيات برز تيار اشتهر باسم "المؤرخون الجدد"، ومن هؤلاء آفي شلايم، الأستاذ في جامعة أكسفورد، الذي أيّد في الحرب الأخير وصف الحكومة الإسرائيلية بأنّها عصابة مجرمين، وألان بابي، الذي طرد من جامعة حيفا بسبب مواقفه وتأييده للمقاطعة العالمية للجامعات الإسرائيلية ويستقر الآن في جامعة إكستر البريطانية، وبني موراس، الأستاذ في جامعة بن غوريون، أحد من رفضوا أداء الخدمة العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة والذي يؤكد حدوث التهجير القسري للفلسطينيين من أرضهم.

فهؤلاء وغيرهم كانوا يريدون تقديم قراءة جديدة للتاريخ تقوم على الاعتراف بأنّ إسرائيل تأسست على ارتكاب المجازر وعلى أساطير مختلفة زائفة. وبما أنّ هؤلاء يهود لم يكن ممكنا اتهامهم باللاسامية فتم اختراع اسم جديد لهم من قبل الصهاينة، هو "يهود يكرهون أنفسهم"، وعمليّا تم تهميش هؤلاء وغادر غالبيتهم إلى الخارج واستقروا في جامعات غربية وينشطون ضد سياسات الدولة الصهيونية ولكن نشاطاتهم محصورة في دوائر أكاديمية وبين أوساط المثقفين والناس العاديين في أوروبا.

في المقابل، فإنّ حركة مثل "شاس" التي تمثل اليهود الشرقيين في فلسطين، كانت حتى وقت قريب لا تشترك في الجدل حول التسوية السياسية مع الفلسطينيين، ولا تعارض الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، أو القدس الشرقية، وتشترك مع أحزاب دينية أخرى برفض الشرعية الدينية للدولة اليهودية على أسس منها الاعتقاد بأنّ هناك إشارات إلهية يجب أن تسبق قيام دولة اليهود، مثل ظهور بقرة حمراء كاملة اللون يتم ذبحها قربانا لتطهير اليهود، (ومن يعتقد أني أبالغ في وصف أهمية الاعتقاد بهذه البقرة فليرجع إلى عشرات التقارير الإعلامية حول الأمر في شبكة أخبار سي أن أن،  والصحف المؤيدة لإسرائيل مثل لوس أنجلوس تايمز، ولكتب كتبها يهود علمانيون ومتدينون)، وكذلك فإن هذه الدولة من وجهة نظر الأحزاب يجب أن يسبقها ظهور المسيح، غيّرت مواقفها.

وتكشف قراءة سريعة لمواقف هذه الأحزاب الدينية في الانتخابات الإسرائيلية الحالية، ومنها "شاس"، التغير في المواقف وتبنيها مواقف صهيونية حتى لو لم يتم ذلك وفق تأويلات شرعية دينية، ومن ذلك تركيز "شاس" على رفض التفاوض على القدس، وهو موقف جديد كليّا للحركة، هدفه جذب أصوات المتدينين الصهاينة، وقد صرّح قادة الحزب بوضوح حول استهدافهم هذه الشريحة انتخابيا.

وتعجّ الصحافة الإسرائيلية يوميّا بتقارير عن دور الحاخامات المؤثر في الحرب الأخيرة، وكشفت هذه الصحف الفتاوى والكتيبات التي وزعها حاخامات في الجيش، بقيادة البريجادير جنرال الحاخام أفيشاي رونتزكي، على الجنود داعية لاستخدام القسوة المفرطة بالحرب وعدم التخلي عن أي بوصة من "أرض إسرائيل"، وقد لخص عضو حزب ميريتس الإسرائيلي اليساري، أفشالوم فيلان، الوضع بالقول لصحيفة "هآريتس": "لقد كسر كبير حاخامات الجيش منذ فترة طويلة الحواجز، وحوّل نشاطات جيش الدفاع الإسرائيلي من القتال في حروب تمليها الضرورة إلى حرب مقدسة". ويقول إنّه إذا لم تضع قيادة الجيش حدا سريعا لهذا الوضع فإنّ قيادة الجيش "ستواجه قريبا جدا كتائب اليهود الأصوليين". 

والواقع أنّ التغيرات في إسرائيل تتواتر على نحو هائل، فالفرز بين المتدينين والعلمانيين يجري بوتيرة سريعة، وتتميز المعركة بينهما بهرب العلمانيين "المعتدلين" من المواجهة. وإذ تهرب النخبة الداعية للاعتراف بالجرائم الإسرائيلية، إلى خارج إسرائيل ، فيكفي أن نشير لخروج 300 ألف يهودي من القدس على مدى السنوات الفائتة، غالبيتهم من العلمانيين الشبان، مقابل تركز اليهود المتدينين في المدينة، ويكفي أن تعلم أنّ نسب النمو الطبيعي عبر الولادات بين اليهود والعرب تساوت للمرة الأولى تاريخيا في القدس، في العام 2007، والسبب أنّ معدل عدد أفراد عائلات الأصوليين اليهود يصل إلى سبعة للعائلة.

وأعداء الأصولية اليهودية في إسرائيل من ضمنهم صهاينة مثل  إيهود باراك، وتسيبي ليفني، لا ينقصهم التطرف العنصري. وقد كان لليهود المتدينين نصيب رئيسي في إسقاط حكومة إيهود باراك عام 2000، لأنّه رفض منحهم مخصصات كافية للمدارس الدينية، وكان لهم نصيب رئيسي في إسقاط ليفني العام الماضي، لذات السبب، مع سبب إضافي هو طلبهم عدم التفاوض حول القدس.

 ahmad.azem@alghad.jo

التعليق