د.أحمد جميل عزم

المقاومة الذكية

تم نشره في الثلاثاء 3 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

تبدو الساحة الفلسطينية ملبدة بغيوم كثيرة، فحركة "فتح" في طور الاضمحلال بعد أن فشلت في تجديد نفسها وفشلت في الحفاظ على مصداقية قياداتها وانزلقت في مزالق عديدة. بينما "حماس" رغم أنّها تبدو كمن يعيش أفضل الانتصارات، لدرجة استعداد رئيس مكتبها السياسي إعلان مرجعية جديدة لتمثيل الشعب الفلسطيني، فإنّها لا تبدو قادرة على تقديم معادلة للإجابة عن كثير من التحديات، إذ عشنا في الأسابيع الأخيرة حدثا غير مسبوق، هو مسألة حصر الحرب والمقاومة في غزة، وبتنا نتحدث عن غزة، لا عن فلسطين، ولم يعد  تناسق الفعل الفلسطيني بين الساحات المختلفة ممكنا، فالضفة الغربية سارت في اتجاه مختلف، ولم تستطع المقاومة اللبنانية تجاوز الاعتبارات القطرية التي حكمت أداءها، وحدثت الحرب من دون أن تكون هناك أجهزة سياسية أو دبلوماسية تتحرك بالحد الأدنى، فمثلا من هو وجه المقاومة في الإعلام الغربي؟  وفي دوائر الدبلوماسية الدولية؟

برأيي أنّه حتى إذا لم يطرح خالد مشعل مرجعية بديلة لمنظمة التحرير، فإنّ هذه المرجعية ستنشأ حتما، في ظل حالة العجز الكامل للمنظمة وأجهزتها، فمن هو مثلا مسؤول الإعلام في المنظمة؟، ومن هو مسؤول العلاقات الخارجية؟، ومن هو مسؤول التعليم؟ ومن مسؤول أسر الشهداء والشؤون الاجتماعية؟ وأين هو مركز الأبحاث الذي كان يوما أهم مركز أبحاث عربي؟ والفراغ لا يمكن أن يستمر للأبد. وحتى إن كانت "حماس" ليست في موقع يؤهلها لأن تكون البديل، أو إذا كانت لن تلقى قبولا دوليا وعربيا، فإنّ الواقع الموضوعي سيفرض المرجعية، بقيادة "حماس" أو بقيادة أخرى، ولعل بعض قادة المنظمة الحاليين، يذكرون كيف وقفوا هم قبل أكثر من نصف قرن، يوم كانوا في أعضاء اتحاد طلبة فلسطين، في القاهرة، أمام الحاج أمين الحسيني، يقولون له (آن الأوان أن تتولى قيادة شابة وطنية قيادة الحركة الفلسطينية)، ويتذكرون كيف انتهت الهيئات التي قادت الشعب الفلسطيني قبل ذلك، بصمت وهدوء، وتحولت إلى يافطة على مبنى، بعضها كنت حتى سنوات قليلة أراها على مبان متواضعة في عمّان، وربما ما تزال موجودة.

قبل أيّام قرأت على مدونة لكاتبها "أحمد حميض" باللغة الإنجليزية، واسمها (إيست (شرق) 360)، طرحا إعلاميا متقدما للغاية لكيف نصنع من غزة "هوية نضالية" باستخدام تقنيات الإعلام والتسويق الغربية (تقنية صناعة الماركات المسجلة)، وحظي الموضوع بـ70 تعليق من قراء للمدونة، ويطرح أفكارا مهمة من نوع، أنّه لا يمكن استخدام كلمة "المحرقة النازية" في الخطاب الخاص بحرب غزة، لأنّ الكلمة على طاقتها الاستفزازية والدلالية ليست لأهل غزة، وقد استهلكت، ويقترح تطوير شيء خاص بغزة؛ ففلسطين وغزة ولبنان حالات فيها ما يكفي للاستغناء عن أي تشبيهات، ولعل هذا الرأي عبّر عنه آخرون لا يشك أحد في تأييدهم لعدالة القضية الفلسطينية، مثل الصحافي البريطاني روبرت فيسك.

كما يناقش أحمد حميض أخطاء مهمة في الخطاب الفلسطيني، من مثل تكرار التأكيد على صلابة القتال الفلسطيني في غزة (رغم نسبة الخسائر التي كانت في الجانب البشري 100 فلسطيني لكل إسرائيلي) ما يعطي انطباعا عن صراع بين ندّين في القوة والإمكانيات، ويطرح أنّ هويّة غزة النضالية العالمية لا يمكن أن تكون تمجيد الموت، أو حتى حصرها والتركيز على حركة "حماس"، ويطرح ضرورة أن تكون هذه الهوية الإعلامية النضالية هي فداحة العار الإسرائيلي بالهجوم المجنون على شعب أعزل، وأنّ القضية هي قضية كل فلسطين، وشعبها الذي يريد الحياة بحرية، وقضية حقوق إنسان وعدالة، وقضية إنسانية يجب ربطها في إطار الاضطهاد والظلم في أماكن عديدة من العالم، (وهنا دعوني أتخيل إعلاما قادرا على ربط قضية فلسطين بقضايا التمييز العنصري والعرقي والاحتلال في كل العالم)، وأخيرا يرى تقديم قضية فلسطين باعتبارها قضية حول الأمل.

أفكار حميض هي أفكار أوليّة يقدمها شاب عربي من واقع تخصصه في الإعلام والتسويق. وهناك كثيرون يقدمون أفكارا متطورة في مجالات عديدة، ولكن مثل هذه الأفكار تعكس حالتين، أولاهما، الفراغ حيث عدم الفاعلية العربية والفلسطينية في تقديم أي نشاط دبلوماسي وإعلامي وسياسي وعسكري و...إلخ. وثانيا، وجود طاقات عالمية، وعربية، وفلسطينية، مستعدة للانخراط في جهد واع وشامل لبناء مقومات التصدي لمتطلبات القضية الفلسطينية، في شتى المجالات.

تطرح وزيرة خارجية الولايات المتحدة الجديدة، هيلاري كلينتون، مفهوم (القوة الذكية) دلالة على استخدام كل عناصر القوة الصلبة والناعمة على نحو ملائم في المكان المناسب، وما تحتاج قضية فلسطين له، الآن مفهوم (المقاومة الذكية)، حيث ليست البندقية سوى أحد الخيارات، وستكون القضية الفلسطينية في أشد الحاجات الى نهج جديد للمقاومة يجمع بين البندقية وغصن الزيتون وفوهة القلم وعدسة الكاميرا والاحتجاج المدني والسلمي، وفي حالة التوصل إلى تهدئة عسكرية في غزة، ستكون أوجه النضال الشمولية ضرورة أكثر إلحاحا.

ليست القضية تشكيل مرجعيات ومبادرات ومنظمات تحرير بديلة، بل هي قضية من يستطيع العمل في الميدان وتولي البرامج المختلفة، ومن سيتولاها سيصبح تدريجيا وحتما المرجعية القيادية، لأنّ من يقوم بالدور المطلوب سيجد نفسه في المكانة التي يؤهله لها دوره، فمن سيمثل فلسطين عبر مؤسسات الإعلام والدبلوماسية وفي المقاومة على الأرض وفي العمل البحثي والأكاديمي وفي كل الميادين سيتولى القيادة، "شاء من شاء وأبى من أبى"، ولن ينجح من سيغلب جانبا على آخر أو يكون التنافس الداخلي هدفه الأول.

ahmad.azem@gmail.com

التعليق