َلا أحد فوق القانون الدولي الإنساني

تم نشره في الاثنين 2 شباط / فبراير 2009. 02:00 صباحاً

ما حدث مؤخرا خلال الأسابيع الماضية في غزة هو أمر غير مغفور على الصعيد الإنساني. ولكنه أيضا يشكل خطرا جسيما على آفاق السلام والاستقرار في المنطقة.

إنني على قناعة تامة أن السبيل الوحيد للخروج بشكل مستدام من دائرة العنف والعداوة الباغية تلك هو من خلال احترام حقوق الإنسان الأساسية. وهذه هي الرسالة التي حملتها معي خلال زيارتي الأخيرة إلى غزة وإلى إسرائيل.

لقد هزتني زيارتي الأخيرة إلى غزة لما شهدته بأم عيني من عظم وتفاقم المعاناة واليأس لدى السكان المدنيين. حيث يعاني السكان جميعهم من صدمة نفسية حادة تتنازعها غريزة  البقاء وغضب عميق وشديد تجاه ما يعتبرونه عقوبة جماعية تفرضها إسرائيل عليهم بينما يرون أن العالم أجمع قد تخلى عنهم ليواجهوا مصيرهم وحدهم.

كافة الشهادات التي جمعتها من المنطقة والتي رأيتها مرأى العين تعزز الأمر الذي كنت أول الشاجبين له والذي تم انتقادي من أجله: لقد وقعت انتهاكات فادحة للقانون الدولي الإنساني خلال أسابيع الصراع الثلاثة.

لقد رأيت في شمال مدينة غزة (في عزبة عبد ربه في جباليا) مناطق سكنية كاملة وقد دمرت وسويت بالأرض بفعل القنابل والدبابات الإسرائيلية. وكذلك المباني في المناطق التجارية والصناعية خضعت لتدمير منهجي، بما فيها مصنع لصنع المثلجات والبسكويت. كما زرت مستشفى القدس التي تعرضت لقصف مباشر بالقنابل ولم تعد في حال يسمح لها بالعمل بشكل سليم. كما تعرض 34 مركزا صحيا من بين 56 مركزا للتدمير أو الضرر. وتم تدمير 16 سيارة إسعاف. وزرت كذلك مخازن وكالة الغوث (الأنروا) التي احترقت بالكامل بعد ثلاث ضربات إسرائيلية رغم أنه كان تم إخطار الجيش الإسرائيلي بمعلومات كاملة حول طبيعة تلك المباني وموقع إحداثياتها.

ويصعب عند مشاهدة هذا الكم الكبير من الدمار أن نؤمن بأنه في كل مرة كان الأمر يتعلق بتهديد على  الأمن وأن الأهداف كانت بالتالي أهدافا عسكرية شرعية.

يفرض القانون الدولي الإنساني على المحاربين أن يميزوا المقاتلين عن غير المقاتلين وأن يوفروا الحماية للسكان المدنيين. ولكن في هذا الصراع، دفعت النساء والأطفال ثمنا باهظا حيث شكلوا نصف القتلى البالغ عددهم 1300 نسمة والجرحى الذين وصل عددهم إلى 5500 جريح.

وإنها لمسؤوليتي أن أدين لجوء إسرائيل لاستخدام القوة بشكل غير متناسب وبدون أهداف محددة، رغم أنها – أي إسرائيل – وبصفتها قوة محتلة عليها التزامات محددة بموجب القانون الدولي الإنساني حسبما نصت عليه اتفاقيات جنيف التي لم يتم احترامها.

وشجبت وأشجب أيضا أساليب الحرب غير المقبولة التي تتبعها حماس بقيامها بإطلاق الصواريخ على السكان المدنيين الإسرائيليين القاطنين بالقرب من قطاع غزة في مدينة سديروت التي زرتها أيضا. كما أشجب قيامهم باللجوء للمباني العامة بما يعرض حياة المدنيين للخطر.

كما لا يمكن التغاضي عن الدعوات وبخاصة تلك الصادرة عن الأمين العام لمجلس الأمن في الأمم المتحدة – السيد بان كي مون – بخصوص تقصي الحقائق وبيان المسئولية عما حدث. وإن لم يحدث هذا فإن القانون سوف يفقد مصداقيته ومكانته كقانون مخصص لحماية  السكان المدنيين أينما تواجدوا.

ويفرض القانون الدولي الإنساني أيضا على القوة المحتلة أن تسمح بمرور وسير المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجات المدنيين.

وإننا نرحب بالتأكيد بالإجراءات التي اتخذتها إسرائيل في هذا الصدد ولكن من الواضح أنها غير كافية. خلال لقاءاتي في المنطقة مع السلطات الإسرائيلية طالبت إسرائيل بالتزامات ملموسة لتسهيل الأعمال الإنسانية. ينبغي مضاعفة عدد شاحنات المساعدة المتوجهة إلى غزة بثلاثة أضعاف العدد الحالي. يجب فتح كافة المعابر. وينبغي التخفيف من إجراءات التصاريح الممنوحة للعاملين وللمساعدات الإنسانية وبالذات تلك الإجراءات الإدارية. وبشكل خاص، لابد من توسيع تعريف ما يشكل المساعدة الإنسانية. فمن غير المعقول ألا تسمح إسرائيل سوى بعبور المساعدات الغذائية والأدوية. فلا يوجد أي نص قانوني يسمح لها بعمل قائمة صارمة وتمييزية لهذا الحد. فهناك حاجة ملحة لتوصيل المعدات الفنية اللازمة لتصليح وإعادة تشغيل المستشفيات والمراكز الصحية ونظام الصرف الصحي وأنظمة  المياه والكهرباء. كما أنه من الضرورة بمكان السماح بتسيير الحوالات المالية تجاه السكان المدنيين حتى يستعيدوا الحد الأدنى من نشاطهم الاقتصادي.

هناك أمر مؤكد: لا يمكننا أن نتخيل العودة إلى ما كان عليه الحال قبل 26 كانون أول عندما شنت إسرائيل عملياتها. فقد أدى 18 شهرا من الإغلاق لمنطقة غزة إلى إذلال السكان على الصعيدين الاقتصادي والمعنوي.

هل ينبغي علينا التذكير بأن القانون الدولي الإنساني هو الاسم الآخر لقانون الحرب. وهو يحدد السلوك الواجب اتباعه في  أوقات الصراع. فلا يجوز أن يشكل أمن دولة ما ذريعة لأن تضع نفسها فوق القانون الدولي. فهذا القانون ملزم للجميع ولا يمكن لأي كائن كان أن يتنصل من تنفيذه وهو قانون يخدم مصلحة كافة الأطراف وبخاصة المدنيين. لأنه إذا كان الفقر يؤدي إلى اليأس فإن الظلم والذل يغذيان العنف.

* مفوض التنمية والمساعدات الإنسانية في المفوضية الأوروبية

التعليق