د.أحمد جميل عزم

"القيادة في الميدان".. حماس الرقم الصعب

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2009. 03:00 صباحاً

 

عندما اختلف قادة "فتح" في تموز 1967 على كيفية إدارة تلك المرحلة التالية للنكسة، واختلفوا أيضا على تحديد قائد "فتح" أو المتحدث باسمها، كان رد ياسر عرفات هو الاختفاء من "المسرح"، فقد بحث رفاقه عنه في دمشق حيث كانوا يختلفون، حتى وجدوا ورقة صغيرة في غرفته الصغيرة، تقول "القيادة في الميدان". لقد ترك مسرح الخلاف وذهب متسللا إلى أرض الحدث، في الضفة الغربية، يجول الجبال والوديان وأزقة المخيمات، وفي حارات القدس القديمة، ينشئ خلايا "الانتفاضة"، ومكث نحو شهر وعاد وقد أنجز المهمة، وعاد لا ليقود "فتح" فقط، بل والشعب الفلسطيني.

 

وبعد تلك الحادثة بأكثر من 16 عاما، أي في أيلول 1983، عندما حدث الانشقاق المدعوم من دمشق داخل "فتح" وداخل منظمة التحرير الفلسطينية، عاد عرفات من المنفى في رحلة أسطورية، متخفيا في قارب صغير بطيء من لارنكا في قبرص، معه ثلة من مساعديه، ليلتحق بنائبه خليل الوزير، الذي كان في الميدان في طرابلس، يقود معركة صمود المخيمات في وجه الانشقاق ووجه الأحزاب والحركات التي كانت تقوم بتنفيذ مخطط الاستيلاء على "ورقة" المقاومة، ورغم مغادرة عرفات السريعة والنهائية للبنان، فلا شك أنّ تلك الزيارة، وحتى ولو بقدر بسيط، كان لها دورها في مواجهة مخطط ضرب المقاومة.

عندما قامت حماس بما تسميه "الحسم العسكري" في غزة، أو ما تسميه فتح "الانقلاب"، لم يكن قادة غزة السياسيون، سواء أكانوا الرسميين، ممثلين بالقيادة الفلسطينية الرسمية، وقيادة منظمة التحرير هناك، أو حتى القائد الذي قال القيادي الفتحاوي نبيل عمرو، إنّه تم إعطاؤه غزة "مقاولة"، أي محمد دحلان في القطاع. ولم يحاول أحد من قيادات "فتح" أن يذهب للميدان، ليس فقط لقيادة الأجهزة الأمنية، ولكن لمحاولة إيجاد الحل السياسي السلمي، وترتيب الوضع هناك.

وتجري حرب غزة ويزداد الغياب، وسأقف عند 3 مظاهر لهذا الغياب بعيدا عن الغياب الفعلي للقادة الفلسطينيين الرسميين من غزة، على اعتبار أنّ ذلك سيتم تبريره بأنّ "الانقلابيين" يمنعونه. أول مظاهر الغياب، هو الغياب السياسي والدبلوماسي، وهذا ما أقر به الرئيس محمود عباس، بقوله في اجتماع لما قال الإعلام إنّه "للقيادة الفلسطينية"، فقد قال: "لا شيء في يدي لإنهاء الحرب". وأضاف: "نحن نتحرك على كل المستويات، لكن كما تعلمون ليس في أيدينا شيء نفرضه على أي من الطرفين، لا إسرائيل ولا حماس".

والغياب الثاني، هو الإعلامي، فتقارير وكالات الأنباء تنقل أنّ غالبية سكان غزة يتابعون كلما أمكنهم ذلك محطتي راديو "صوت الأقصى"، التابعة لحماس، و"صوت القدس"، التابعة للجهاد الإسلامي. لقد اختفى إعلام منظمة التحرير الفلسطينية، ونسمع في الضفة الغربية، محطات إذاعية تبث باسم "فتح"، وحقيقتها أنّها محطات تتبع أفرادا في "فتح"، شأنها شأن بعض الصحف، وهدفها دعم "المشرع الشخصي" لهؤلاء الأفراد الطامحين للقيادة، (أي قيادة، مهما كان الوضع العام.

والغياب الثالث، هو العسكري، فكتائب شهداء الأقصى، التابعة (نظريا على الأقل) لحركة "فتح" تكاد لا تذكر في سياق المواجهة في "غزة"، والمجموعات التي تذكر وتتبع "فتح"، مثل مجموعات أيمن جودة وأحمد أبو الريش، والتي لم تكن فعليّا ضمن العباءة الرسمية لمنظومات "فتح"، بقدر ما كانت جزءا من الحالة النضالية الفتحاوية القديمة، بتعقيداتها المعروفة.

يوجد في العلوم الاجتماعية، نظرية اسمها "الدور والمكانة"، فأي شخص يقوم بدوره الاجتماعي المفترض يحظى بمكانته اللائقة، فالأب يحظى بمكانته لأنه يقوم بالتربية والعناية والحماية والاهتمام بأبنائه، وغالبا يفقد الأب احترام المجتمع وأبنائه إن لم يقم بهذه الأدوار. وعدم قيام القيادة بدورها يفقدها مكانتها.

لقد كان ياسر عرفات يكثر من استخدام عبارة "أنا الرقم الصعب"، في إشارة إلى أنّه من دون منظمة التحرير، لن تنجح أي مخططات سياسية أو دبلوماسية تتعلق بالشأن الفلسطيني. ولا بد من الإقرار، بأنّ "حماس" هي الرقم الصعب الآن، وأنّ وجود قيادة منظمة التحرير ناجم عن اعتبارات سياسية وقانونية تتلاشى تدريجيا، وعندما تظهر نوايا إقليمية أو دولية لحراك سياسي، وهذا قد يحدث قريبا وربما بعد دخول باراك أوباما البيت الأبيض، وآنذاك ستعمق مشهد القيادة التي تتفرج من رام الله، ومشهد الرقم الصعب في غزة ودمشق.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم (نعم)

    الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2009.
    لا تعليق
  • »ابو عمار لا ترحل فهم يحتاجونك (محمد الرواشده)

    الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2009.
    لحظة استشهاد الراحل ياسر عرفات و على ابواب المقاطعة برام الله حملت طفلتان فلسطينينان لافتة كتب عليها ابو عمار لا ترحل نحن نحتاجك ارودها للتذكير بمدى حاجة الفلسطينيين الى رمزهم الذين كان ممسكا بزمام الامور في الساحة الفلسطينية وهم اليوم يساهمون في اختلافهم بتقسيم وطنهم و يمضون وبلا احساس بالمسؤولية في تكريس شطر الوطن الواحد ..
    اظن ان المشكلة الكبيرة تكمن الان بعدم وجود قائد حقيقي للفلسطينين يستعمل الشدة في اوانها و يمسك العصا من نصفها .
    اكاد اجزم ان خسارة ياسر عرفات هي الكارثة الوطنية الثالثة بعد النكبة و النكسة و جاءت الكارثة الكبرى بالانقسام و حل بالفلسطينين ما حل جراء ذلك .
    جزء من الحل هو ايجاد تلك القيادة التي تلتصق بالواقع و تحاكي الشارع ..ارجو ان يسارع الفلسطينيون الى ذلك
  • »موضوعك... جميل...واقعي...وملخص لما حدث في غزه2007 (hatem)

    الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2009.
    لن ننسى مواقف فتح الجميله المشرفه قبل ان يستولي عليهاوعلى قيادتها بعض العملاء
    كان الشهيد ابو عمار قائد ميداني رفيع وهو اعطى المقاومه دفعه معونيه وفكريه في ميادين القتال لن ننسى ابو عمار وفتح في اهميتهم للقضيه الفلسطينيه قديما ودعم المقاومه في البنان عند اجتياح العدو بدعم من الميلشيات المسيحيه والشيعيه
    اما بلنسبه للحسم العسكري فحماس وباقي الفصائل في غزه سئمو الاغتيالات التي كانت تدبر لها اسرائيل بالتعاون مع اجهزه السلطه للقضاء على المقاومه في غزه ولن ننسى اعتقال المجاهدين وتصوير اماكن تدريب الكتائب واعطاء المعلومات للعدو كان اجهزه السلطه من مخابرات ووقائي وشرطه وكتيبه الموت كلاب دحلان موجهها فقط للمقاومه ولن ننسى انقلابهم على الانتخابات والشرعيه
    اما حماس وكتائبها المشرفه فهي قادره على قياده الشعب الى منظومه التحرر والاستقلال على كل ارض فلسطين
    وتحيه الى كتائب الاقصى التي عادت لتستعيد امجادها في الماضي والتحرر من قادتها السياسيين المفاوضين المطبعيين مع العدو
  • »لا يمكن ان تموت فتح ابو عمار وابوجهاد (ابو رائد الصيراوي)

    الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2009.
    من الصعب من الان وصاعدا القول ان فتح العظيمة سابقا هي نفس فتح اليوم بعد ان تمكنت زمرة من المنبطحين ولا اريد ان اقول العملاء من سرقة انجازات فتح الشرفاء وتجيرها لصالحهم.
    فتح المقاومة تم اغتيالها وتصفيتها على ايدي رجال اعمال سلطة رام الله. فتح المقاومة انتهت واصبح من يتولى شانها غير معني بتحرير الوطن بمقدار تشبثه بالبقاء بالسلطة وتمتعة بالسياحة وشرب الانخاب مع بقية حكام بلاد العرب
    زعيم فتح اليوم لا يريد ان يحاكم مجرمي اسرائيل الذين خططوا لمحرقة غزة اذا ماذا تبقى من فتح؟
    فتح اليوم تجلس بمقاعد المتفرجين على مجزرة غزة ينتظرون ان تحقق لهم مصر وقادة اسرائيل عودة الى غزة بعد حرق كل اهل غزة مع مقاوميها.
    اغتيلت فتح الشرفاء منذ ان شارك قادة فتح اليوم باغتيال الختيار ابو عمار.
    ولكن لا زال يوجد بفتح بعض الشرفاء المهمشين حاليا يغلي الدم بعروقهم ولا يقبلوا ان تضيع انجازات فتح العظيمة وشهدائها بهذة السهولة وسوف نراهم قريبا يحاسبون المنبطحين والعملاء ويعيدوا فتح الى سابق عهدها المشرف جنبا الى جنب مع شرفاء المقاومة الفلسطينية والعربية تلك طبيعة الاشياء .
  • »تحليل في مكانه (البوريني)

    الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2009.
    المشكلة تكمن في النقلة النوعية لايديولوجيا فتح الجديدة وهي الاستغناء أو محو كلمة مقاومة من قاموسها.
    أحداث غزة أو ما يسمى بالانقلاب لم يحدث نتاج اختلاف، بل هي مؤامرة لحصر المقاومين في مكان هو غزة وشن حرب على جيش نظامي نوعا ما لكسر شوكته واعطاء رسالة للفلسطينيين مفادها:
    (هذا مصير كل شخص يرفض الاحتلال والشروط التي نضعها).
    لو ياسر عرفات كان موجودا لما حصل ما حصل وهنا نستنتج لماذا أبو مازن ودحلان ظهروا كصناع قرار استراتيجيين في فتح واغتيل عرفات.
    نحن هنا في لحظة تاريخية وعلى فتح تدارك الموقف فهي أساسها حركة ثورية نضالية واذا وصل عدد الشهداء 1000 ولم تتحرك قيادتها اذن الأجدى اسقاطها ولو بالقوة.