الواقعية السياسية والاقتصادية المجتزأة!

تم نشره في الخميس 8 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

في مدارس التحليل السياسي والاقتصادي، هناك فريق يجمع المعطيات القائمة، وبناء عليها يحدد المخرجات، في السياسة يكون من الصعب تفهم ما تستخلصه هذه المدارس في التحليل، فالاستناد اليها يعني الرضوخ الى الواقع الصعب، وتصبح حركات المقاومة وعمليات التحرر من دون جدوى والتحليل القائم على رشدانية اتخاذ القرارات على مستوى الأفراد والمجتمعات، وهو الأساس الذي تنطلق منه هذه التحليلات، يفقد أحد أبرز مقوماته.

نسوق هذه المقدمة وفي البال العدوان المتواصل على غزة، فهل كان من الممكن تجنبه لو تحلت بعض الزعامات السياسية في حماس بالواقعية السياسية، وهل كان من الممكن أن تنطلق حركات تحرر في أي مكان في العالم لو تم الارتهان فقط الى نهج الواقعية، وهل ما نشهده من فظائع، هو نتيجة عدم التحلي بالواقعية؟ هذا الاستنتاج مجتزأ، وهو يأخذ التحليل ضمن سياق ضيق، فالمقاومة ضد الاحتلال والحصار ليست أفعالا تحتاج الى رشدانية في اتخاذ القرار، حين تكون البيئة المحيطة كلها توفر عناصر لا يمكن أن تقود الى قرارات عقلانية.

والحال كذلك فإن التحليلات التي تأخذ سمة الواقعية تثير ردود أفعال متباينة، بين مؤيد ومعارض لهذا النوع من التحليل الذي يدعي الابتعاد عن العاطفة لصالح توظيف العقل، وحجتنا هنا أن توظيف العقل يتطلب أيضا التفكير بكافة عناصر المعادلة، وما نسميه "الواقعية المجتزأة" يتمثل بالحديث عما يجري في غزة بمعزل عن الكثير من المتغيرات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تساعد على استكمال الصورة لدى اتباع هذا النهج في التحليل، فهل الواقع الذي تعيشه المنطقة بسبب عدوان إسرائيل سواء على غزة أو لبنان أو في مناطق أخرى يتناسب مع ما تمتلكه المنطقة من مقدرات.

وهنا ننتقل الى الشق الاقتصادي والمالي، فالعالم الرأسمالي الداعم لإسرائيل يعيش أزمة حقيقية غابت عناوينها عن أعيننا فقط بسبب أصوات المدافع وصور الأطفال المخضبين بالدماء في غزة، لكن من يتابع الصحف ووكالات الأنباء العالمية سيجد أن الأزمة تتعمق، ومن سيساعد في حل هذه الأزمة؟ العيون تتجه الى المنطقة العربية ودول الخليج كي تساهم في توظيف جانب من مقدراتها لحل الأزمة العالمية لتسيير أمور الاقتصاد العالمي.

ولكن لماذا يجب مساعدة هذا العالم والذي بسبب مواقفه السياسية الداعمة لإسرائيل يضمن استمرار التوتر وحرمان المنطقة من تحقيق الآفاق الكامنة التي يمكن أن تنطلق حال سيادة حالة من الاستقرار، أوليس من الواقعي أيضا التفكير انطلاقا من المصالح  بكيفية توظيف جانب من الأوراق التي يمتلكها العرب، هذا التوظيف لن يترتب عليه ثمن سياسي باهظ، ولن يكون هناك تداعيات اقتصادية سلبية، ولكن هذا النهج يمثل ببساطة توظيف أوراق تمتلكها هذه الدول ضمن ظروف استثنائية، لن تصل حد التلويح بسلاح المقاطعة أو تهديد مصالح الغرب، بل التعامل مع العالم بلغة يفهمها جيدا.

الواقعية كمفهوم لا تحتمل التجزئة، ولا يجوز أن تستحيل الى تبشير بفقدان القدرة على التغيير أو العجز والتبشير بالهزيمة، بل يفترض أن تبحث مقومات القوة وكيف يمكن توظيفها كأدوات في صراع لا تقف حدوده على تخوم غزة بل تتغير ساحاته وتتوسع وفقا لما تليه مصالح من يشنون العدوان.    

التعليق