د.باسم الطويسي

حرب الشياطين في الدعاية الإسرائيلية

تم نشره في الخميس 8 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

فيما انشغلت الدعاية العربية في صراعات المحاور العربية وحولت طرق التعامل مع الحرب الإسرائيلية على غزة إلى مادة للصراع على الجمهور العربي، تسربت الرواية الإسرائيلية وانتشرت بسرعة في الأيام الأولى من الحرب ليس فقط في دوائر صنع القرار ومراكز التأثير الدولي، بل وفي أوساط جماهيرغربية واسعة حتى وصل الأمر ان تبادر بعض النخب الغربية التي لا تطمئن للرواية الإسرائيلية بالتساؤل ماذا يجري هناك ؟.

عادة يغيب الخطاب الإعلامي العربي الموجه لجماهير المجتمعات الأخرى في أوقات أزمات وحروب المنطقة، ولكن هذه المرة بدا أيضاً أن الخطاب الدبلوماسي العربي الذي يمكن أن يوفر مضامين إعلامية بديلة لرواية أخرى جاء أيضاً مربكاً وضعيفاً، كما ظهر في مجلس الأمن وأروقة الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى، بعد مرور الأسبوع الأول أخذت وسائل إعلام غربية ومن منطلق الحرص المهني تبحث عن الرواية الأخرى ما أعاد القليل من التوازن في تناول وسائل الإعلام، ولكن لم يتم ذلك إلا بعد أن تشكلت الكثير من المواقف والاتجاهات.

في المقابل كانت إسرائيل قد أعدت لدرسها جيداً قبيل الحرب، ويبدو أن الدعاية التحضيرية التي مهدت المسرح الدولي لهذه الحرب القذرة قد بدأت منذ أكثر من شهرين، بدأت ملامح هذه الحملة الدعائية تظهر مع إصرار إعلامي عربي على انها لن تذهب لحرب في القطاع،  حيث أجرت إسرائيل مطلع الشهر الماضي تدريبات عملية لفحص استعداد الجهات المختصة بالدعاية وقدرتها على تبرير سقوط عدد من المدنيين جراء عمليات عسكرية واسعة حيث شارك في هذه التدريبات عشرات من المختصين في الدعاية الإسرائيلية والناطقين باسم الوزارات والمكاتب الحكومية ضمن سيناريوهات وخطط  دعائية بديلة، وأخرى لنقل المعلومات وطرق التعامل مع مواقف عسكرية غير متوقعة للعالم بمعنى دخول إسرائيل في حرب مجرمة ضد المدنيين.

وبالتزامن مع قرار الرقابة العسكرية على أنشطة وسائل الإعلام الأمر الذي انعكس في تعتيم إعلامي واسع فتحت إسرائيل مركزاً إعلامياً في سيدروت لمد الصحافيين بملخصات إخبارية تحمل رواياتها حول مجريات الأحداث، ومنعت دخول مراسلي وسائل الإعلام للقطاع ما دفع بعضهم للجوء للمحكمة، وكانت حملة العلاقات العامة الدولية قد بلغت مداها قبل شهر من بدء العدوان، وتبع ذلك توزيع رسالة إسرائيلية رسمية على أعضاء مجلس الأمن الدولي تبرر عدوانا محتملا على غزة تحت ذريعة الحق في الدفاع عن النفس وفقاً للمادة  51 من ميثاق الأمم المتحدة وتفترض ان حماس ستلجأ الى اتخاذ المدنيين دروعا ما سيعني توقع ضحايا من المدنيين .

الحملة الدعائية الإسرائيلية كان لها إطار استراتيجي واضح قبل بدء العدوان ينطلق من أطروحة مركزية مفادها شيطنة الآخر الفلسطيني ووضعه في إطار واحد (إرهابيين وشياطين حرب) يتصرفون من دون مسؤولية ويجب وضع حد لهم انطلاقاً من الدفاع عن النفس، في نفس الوقت عملت هذه الاستراتيجية الدعائية على تأطير القضايا الفرعية وتصعيدها، مثل قضية صواريخ المقاومة والتي تم أبرازها وكأنها صواريخ الردع الكورية!

ومع تصاعد الموقف وقوة تدفق صور القتل والتدمير وازدياد شعور العالم بان العملية الإسرائيلية تجاوزت كل الحدود وأنها "قاسية وغير متكافئة" أخذت إسرائيل تعدل من الأفعال الدعائية من دون المساس بجوهر الخطاب، كأن  تضفي على سلوك جيشها مسحة أخلاقية عالية مثل تركيزها على إبلاغ أسرة الشهيد نزار الريان مغادرة المنزل قبل قصفه، وتسريبها لقصة على لسان منظمة سلام إسرائيلية تتحدث عن قصف طائرة إسرائيلية سيارة نقل فلسطينية كانت تنقل أنابيب غاز الأكسجين لإحدى المستشفيات على اعتبار أنها صواريخ للمقاومة، وحرصها على أن من كشف هذه العملية منظمة إسرائيلية بمعنى المزيد من العلو الأخلاقي للإسرائيليين والمزيد من (شيطنة الفلسطينيين وانسنة الإسرائيليين).

من دون خداع للنفس رواية الضحية لم تصل للعالم، وإنْ وصلت صور المجزرة فقد أطرت في إطار إنساني فقط، وسنبقى نخدع أنفسنا ونحن نترجم للجمهور العربي في كل أزمة وحرب مقالات كتاب غربيين  متعاطفين مع بعض القضايا العربية لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة على ان لهم ثقلا في الرأي العام الغربي، وهم في حقيقة الأمر أصبحوا يكتبون للعرب أكثر من الغرب.

Basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام صحيح (نايف المساعده)

    الخميس 8 كانون الثاني / يناير 2009.
    كل شئ ذكرته بالمقال صحيح وربما الذي يرصد جيداً الاعلام الاسرائيلي يستطيع ان يتوصل الى حقيقة الترتيبات التي تعد لها اسرائيل اعلامياً بشكل مسبق اشكر الكاتب على مقالته التي اشعر بانها دائماً مختلفة عما يتم كتابته من مقالات في الصحف بالفكره التي يكتبها الكاتب والتحليل الموضوعي وشكرا على هذا الجهد
  • »الجهل باللآخر (امل العبادي)

    الخميس 8 كانون الثاني / يناير 2009.
    ما يحصل على الساحة الان يظهر كم العرب يجهلوا الآخر والآخرين يجهلوهم لانهم غير قادرين على توصيل صوتهم للغرب اسرائيل تتعامل بدهاء ومكر كلنا يعرفة وتستطلع كل شئ قبل ان تفعل اي شئ وهذا ما نفقده نحن العرب
  • »وماذا عن اعلامنا العربي (محمد الحسنات)

    الخميس 8 كانون الثاني / يناير 2009.
    اعتقد ان جميع ماذكرت يا دكتور صحيحا ،وماذا نتوقع من عدو مدعوم بألة الفتك الامريكية ؟،وأنشاء اصلا على مبدا احتلال الارض وتهجير شعبها بالقوه ، هذا طبع العدو واعلامه ، ولكن ماذا عن اعلامنا العربي وانت استاذ الاعلام ، هل ترى انه يتماشى مع ضمير الامه التي تصرخ من المحيط الى الخليخ ام ترى انة يحاول ان يبرر مواقف بعض الزعماء العرب المتخاذلة ، اليس من واجب الاعلام ان يبتعد عن التمجيد والتجريح في الاخر في هذه الاوقات العصيبة وشكرا