إبراهيم غرايبة

هل كان ممكنا تجنب ما حدث في غزة؟

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009. 03:00 صباحاً

إنها بالطبع جريمة ضد الإنسانية يندى لها الجبين، ولا يمكن وصفها بالحرب، ولا يمكن مقارنتها بأي حرب في التاريخ الحديث والمعروف، لبنان، البوسنة والهرسك، كوسوفا، جورجيا، الشيشان، أفغانستان، العراق، رواندا وبوروندي، الصومال.

وسيكون من التبسيط المخل إدانة حماس برغم صحة كثير من الملاحظات والأحكام الممكن استخلاصها حول حماس، فقد حدثت كارثة مماثلة بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2000، وخاضت فتح والسلطة الوطنية بقيادة ياسر عرفات مواجهة مع إسرائيل، وإذا كان ممكنا استخلاص دروس من الكارثة فربما لن تكون إدانة لحماس وفتح والمقاومة والتسوية السياسية، ولكنها على الأغلب في فهم المشهد السياسي الفلسطيني والإسرائيلي والعربي والعالمي الذي بدأ بالتشكل منذ أواخر الثمانينات.

وربما سيكون صحيحا القول إن ثمة أخطاء استراتيجية وتكتيكية وقعت بها القيادة الفلسطينية (فتح وحماس) ولكن ربما يكون مشكوكا في صحة القول إنها حرب كان يمكن تجنبها، فما يحدث في فلسطين أعقد بكثير من رده إلى المقاومة وصورايخ القسام، ولكنها نتائج اقتضتها نهاية الاتحاد السوفيتي.

كان انهيار الاتحاد السوفيتي حدثا عالميا لا يقل في نتائجه وتداعياته عن نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، بل إن نهاية الحرب الباردة كانت في حقيقتها ونتائجها حربا عالمية ثالثة، فما حدث ويحدث في العراق وأفغانستان واليمن والصومال والبلقان وآسيا الوسطى كان نتيجة منطقية لهزيمة الاتحاد السوفيتي، وما كان يمنع إسرائيل من شن حروب الإبادة والتهجير على الفلسطينيين هو الاتحاد السوفيتي، ويمكن التذكر أيضا أن عمليات التهجير والمذابح التي وقعت بحق الفلسطينيين بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، ولو اختلفت نتائج الحرب لاختلف الحال بالنسبة للفلسطينيين، فقد كان الحال مع بداية الحرب يبدو لصالح الفلسطينيين.

كانت الانتفاضة الأولى تقديرا فلسطينيا بأنه لم يعد ثمة مجال سوى العودة إلى فلسطين، ولم يعد الخارج مركزا للمقاومة والعمل السياسي، وتبع ذلك إعلان الدولة الفلسطينية ثم اتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية، ولكنه مسار العلاقة بين المنتصرين انتصارا كبيرا والمهزومين هزيمة كبرى، ولم يكن ما يجري في فلسطين مختلفا عن السياق العام لمتوالية أو دومينو الصعود والسقوط في العراق وأفغانستان وآسيا الوسطى والبلقان وأفريقيا.

وكما كانت الشيوعية تعبيرا عن أزمة الرأسمالية، فقد كانت الحركات الإسلامية تعبيرا عن أزمة العالم الإسلامي وهزائمه، وتحول الإسلام السياسي إلى عنوان للصراع، كما كانت الشيوعية من قبل، ولكن الحرب في حقيقتها وجوهرها لم تكن مع الإسلام السياسي كما لم تكن مع الشيوعية من قبل، وما حدث في غزة كان سيحدث حتى لو لم تكن حماس موجودة ابتداء، تماما مثلما كانت ذريعة أسلحة الدمار الشامل في العراق، فالمنتصرون والأقوياء لا يحتاجون إلى دليل أو سبب قانوني للحرب والتدمير والإبادة، وجرائم الحرب لم تكن عمليا سوى الهزيمة، هل حوكم عبر التاريخ منتصر حتى لو ارتكب أفظع الجرائم وهل ثمة جريمة أفظع من إلقاء القنابل النووية على المدن الآهلة بالسكان؟

هل كان خطأ المستضعفين والمهزومين أنهم يفكرون كالأقوياء والمنتصرين؟ هل كان ثمة لبس في التفريق بين ما يجب أن يكون وبين ما يمكن أن يكون؟ ربما يكون سهلا تقديم إجابات مدعومة بالأدلة والتاريخ، ولكنه خيار لم يكن خيار الفلسطينيين وحدهم حتى لو أحسنوا التقدير والاختيار، فقد كانت الكارثة رغبة وحملة انتخابية إسرائيلية، فمن يقتل أكثر ينتخب.

وربما كان من الأفضل والأكثر صوابا لحماس وفتح أيضا أن تخففا من الكارثة وتبحثا عن حيل واختيارات أخرى، ولكنه سيبقى تضليلا للفهم أن يظن بأنه مسار حكمته اختيارات فلسطينية خاطئة كانت أو صائبة، وأتوقع أن الاقتراب من الصواب يبدأ من ملاحظة نتائج الحرب ومنطق الانتصار والهزيمة، وتلك هي البداية التي لا يمكن تجنبها للأسف الشديد.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نظرة مترابطة للامور وربما هذا وقت مناسب لطرحها... ونبقى بحالة [الانتظار] للنتائج والتداعيات لصورة اوضح (HeRoN)

    الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009.
    welcome back abu jihad
    (f)
  • »إلى رؤى (محمد)

    الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009.
    على عكس العكس... ما تقولينه هو كلام نظري.. فالتحول القيادي في فتح لم يترك مجالا لحماس.. فلو بقيت حماس كما تفضلين تنظيماً معارضاً لمحتها فتح من الوجود كما تفعل الآن في الضفة.. لم يكن أمام حماس سوى واحد من خيارين.. إما أن تبقى تنظيما مقاوما.. وفي هذه الحالة عليها أولا الدخول في حرب مع فتح لأنها لن تسمح لها بالتحرك.. أو أن تدخل المجال السياسي وهذا ما قامت به لحقن الدماء الفلسطينية.. لكن ما حصل ويحصل هو مؤامرة إسرائيلية بالتعاون مع العملاء.
    المهم في الموضوع أنه لا يجب علينا أن ننظر للقضية الفلسطينية على أنها قضية فتح وحماس.. فعلياً أعتبر أن المقاومة الفلسطينية خسرت كثيرأ عندما أُعلنت منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.. نحن كمسلمين يجب علينا أن نقف وقفة واحدة لتحرير الأراضي الإسلامية المحتلة بغض النظر إن اتفقت حماس وفتح أم لم تتفقا.. ولا يجوز بأية حال من الأحوال مشاهدة المسلمين يقتلون ونقف ونقول أنها غلطة فلان أو علان... القتلة هم الصهاينة ومن يسكت عن مجازرهم
  • »مقال جميل جدا ومنطقي (نقاء)

    الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009.
    ولكن يبقى السؤال قائما"هل كان ممكنا تجنب ما يحث في غزة؟"
  • »بل كان ممكنا (رؤى حاتم)

    الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009.
    بالعكس يا أستاذ ابراهيم، لقد كان ممكنا تجنب ما حدث في غزة، لو لم تحدث المقاومة والانتحارية بعد قيام السلطة الوطنية ولو تحولت حماس الى معارضة سياسية تشارك في اللعبة السياسية وفق قواعدها ولم تستدرج الفلسطينيين الى الموت عديم المعنى وتدخل الى العالم العمليات الانتحارية التي اساءت للفلسطينيين وقضيتهم وجعلتهم مطلوبين وارهابيين بدلا من ان يكونوا شعبا يسعى لحريته واستقلاله.
    ثم كانت الانضوتفاضة الثانية قرارا ارعن قضى على امال الفلسطينيين واحلامهم لاجل حلم شخص واحد، وكانت مشاركة حماس الواسعة في الانتخابات ايضا قرارا اخرق لانه من غير المعقول ان تشكل حماس حكومة فلسطينية بغير التفاهم مع اسرائيل وكيف تريد تشكيل حكومة وتبقى تقاوم وتعارض ايضا تعارض ماذا الا تعارض نفسها الا تقاوم ذاتها.
    لقد كان سلوك القيادة الفلسطينية فتح منها او حماس سلسلة المغامرات غير المسؤولة وكانت تعبر عن مصالح منظمات وتحالفات لا علاقة لها بالشعب الفلسطيني
    لقد اعتادت فتح وحماس واستمرات اللعبة الاقليمية.
    صحيح ان اسرائيل تمارس حرائم حرب ولكن حماس وفتح تمارسان الجريمة نفسها
  • »Right (Yazan Haddad)

    الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009.
    My dear writer :
    You are 100% correct, I hope some officials in Gualf and Egypt can understand that.
    Algeria fought for its' independence and the cost was seven million Shaheed over more than 130 years of occupation,one million and a half only in their last reveluotion, and they did not stop until they acheived their goals.
    My best wishes to my brothers and sisters in GAZA
  • »وهل كان ممكننا ان نتجنب ضرب المدارس الامنه (ياسر عبد الهادي)

    الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009.
    هل كانت الصهيونيه العالميه تعلم بان المدارس موجوده قبل قصفها
    علينا ان ناخذ هذه الدوله الى محكمهالجنايات الدوليه لمحاكمه حكامها وشكرا للنشر