حرب الصور في العدوان الإسرائيلي

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009. 03:00 صباحاً

مع الاجتياح الاسرائيلي لغزة يرجع التركيز على الحرب الاعلامية التي تشنها اسرائيل على الفلسطينيين بجانب المأساة التي تتسبب بها لكل من في القطاع. من الواضح للمراقبين أن اسرائيل كانت ومنذ بدء عدوانها في غاية الاستعداد ليس فقط من الناحية العسكرية، وانما من الناحية الاعلامية وأورد هنا بعض الشواهد من المحطات العربية والاجنبية.

في اليوم الاول للقصف الجوي كان هناك عدد من الناطقين الاعلاميين باسم الحكومة والجيش الاسرائيليين ممن يجيدون العربية من بينهم مردوخاي أدرعي، وأشارت عدد من المطبوعات الاميركية مثل مجلة تايمز الاميركية وموقع بلومبرغ الالكتروني الى عدد من الاستراتيجيات الجديدة المتبعة من قبل اسرائيل في حربها هذه ضد غزة.

أول هذه الاستراتيجيات هو حشدها لعدد من السياسيين وخبراء الاعلام للحديث لوسائل الاعلام الدولية من بينهم بنيامين نتنياهو خصم رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي الذي طلب منه ايهود أولمرت شخصيا ان ينضم الى الفريق الاسرائيلي في هذا العدوان، اسم آخر هو مندوب اسرائيل السابق في الامم المتحدة، من بينها كذلك الاستخدام المكثف لوسائل الاعلام الجديد بما فيه مواقع تحميل الفيديو ومواقع الربط الاجتماعي مثل اليوتيوب والفيس بوك ومواقع الرسائل القصيرة المباشرة تويتر. آلية اخرى اتبعتها اسرائيل هي انشاء قناة تلفزيونية للجيش الاسرائيلي محملة بعدد كبير من الفيديوهات التي يتم تحديثها دوريا على موقع الفيديو يوتيوب، من ضمن هذه الفيديوهات فيديو لوزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني وعدد من الناطقين الاعلاميين العسكريين. عدد المشتركين في هذ القناة ساعة كتابة هذا المقال يصل الى أكثر من 12000 مشترك بحسب ال يوتيوب، اضافة الى تحميل عدد من المواد الكرتونية التي تصور صواريخ يتم قذفها على كل من برج ايفل في باريس وساعة البيج بن في لندن ومبنى البرلمان الالماني بندستاغ، وعلى الفيديو شخصيات كرتونية تعلق باللغات الفرنسية والانجليزبة والالمانية ثم يظهر شريط كتابة وعليه تعليق بالانجليزية "هل يعجبك هذا؟ في سدروت في اسرائيل هكذا يعيش الناس منذ ثمانية أشهر" وينتهي الفيديو.

من الوسائل التي اصبحت تقليدية بالنسبة للاسرائيليين في تعاملهم مع الاعلام بهدف كسب التعاطف والدعم العالمي هي استخدام الناطقات الرسميات باسم الجيش الاسرائيلي واعطاء هذه المهمة للنساء بهدف احراز بعض الاهتمام والتعاطف.

يذكرنا الاستعداد الاسرائيلي العالي للتعاطي مع الاعلام بل وتوظيفه بالاستراتيجيات الاعلامية المستخدمة في حربهم ضد الانتفاضة الفلسطينية الثانية في نهاية سبتمبر عام 2000. حيث اندلعت الانتفاضة بايعاز من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسرعرفات الذي  تم تسليط الضوء الاعلامي الدولي عليه منذ فشل قمة كامب ديفيد في شهر تموز (يوليو) في نفس العام، وقد جندت اسرائيل كل جهودها ومختصيها للتركيز على اخراجه بصورة القائد الذي يستخدم "العنف" لابتزاز الاسرائيليين والمجتمع الدولي لاحراز أهداف سياسية، وهي صورة بالضرورة سلبية وثيقة الصلة بـ"الارهاب" ضمن الثقافة السياسية الغربية، هذا بحسب مقابلات أجراها الباحث الاعلامي الاسرائيلي في الجامعة العبرية غادي ولفسفيلد مع عدد من الخبراء العسكريين والسياسيين الاسرائيليين.

من الجدير ذكره هنا أنه وبالرغم من وجود بعض التعاطف الاعلامي دوليا مع الفلسطينيين والكشف الجزئي لبشاعة العدوان الاسرائيلي الراهن على غزة عبر الصور التي تبث في وسائل الاعلام الدولية، الا أن التاريخ يعلمنا أن اسرائيل لم تكن ناجحة فقط في المبادرة وتحقيق النصر الاعلامي الاول وانما في الرد والتصدي للصور التي يعتقد الكثير من المعلقين والخبراء بأنها أصدق واكثر أثرا من الكلام. أذكر انه بعد حادثة مقتل الطفل محمد الدرة الشهيرة على سبيل المثال تغيرت الكثير في التغطية الاعلامية للانتفاضة الفلسطينية الثانية وانتشر الانتقاد للجيش الاسرائيلي وممارساته في الاراضي الفلسطينية المحتلة وسط الاعلام الدولي، لكن اسرائيل عادت بقوة واستبدلت الصورة السلبية الناتجة عن تلك الحادثة بصورة الام الفلسطينية التي تنجب الكثير من الاولاد لكي يستشهدوا وتأخذ التعويضات المالية مقابل ذلك، وتم تعميم هذه الصورة وتجذيرها في الخطاب الاسرائيلي وأصبحت أية اشارة لما نسميه بالاحتفال بالشهادة صادرة أو مصورة في وسائل الاعلام تتم ترجمتها من المصادر الاخبارية الاسرائيلية والمعلقين الاسرائيليين على انها نوع من الوحشية والتضحية بالاطفال مقابل عائد مادي مدفوع من احد النظم العربية في حينها.

ما يجدر التركيز عليه في اللحظة الراهنة هو استعادة تذكير الفلسطينيين والعرب بأنه ربما من المستحيل ربح الحرب الفعلية مع الاسرائيليين في المنظور القريب لكن من الممكن استثمار الزخم الشعبي الدولي وتطوير بعض الاستراتيجيات للتعاطي مع الاعلام الدولي فيما يخص العدوان الاسرائيلي، للتصدي لما تبثه أجهزة العلاقات العامة الاسرائيلية من صور وخطاب للتلاعب بالرأي العام العالمي واستمالته لدعمها أو على الاقل السكوت على جرائمها.

* أكاديمية وباحثة في الجامعة الاميركية في الشارقة 

التعليق