د.أحمد جميل عزم

هويّات ملتبسة

تم نشره في الاثنين 5 كانون الثاني / يناير 2009. 03:00 صباحاً

 

يعلن شاب مصري بغضب، ضمن برنامج إذاعي لراديو (بي بي سي) أنّ "مصر لن تحارب...لن تحارب...لن تحارب...، حاربنا بما فيه الكفاية وتعبنا.. ولن نتحمل عبث قادة حماس، وما يحدث هناك سببه قادة هذه الحركة".

ويدون باحث وكاتب على موقعه على الإنترنت أنّه فوجئ بإحدى الفضائيات العربية تعرّفه، لدى تعليقه على أحداث غزة، على أنّه (باحث فلسطيني). أرهقه الأمر وكتب متسائلا، هل يريد أن يتم تعريفه على أنّه كذلك؟ يتمنى لو أن لا يتم تعريفه بتاتا، سوى أنّه "باحث"، أو يتم تعريفه على أنّه عربي... ويقول إنّه لا يتنكر لفلسطينيته ويكرس عمره لأجل فلسطين، ولكنه يعيش هاجس القُطرية ويخشى أن يتهم بها، كما يشعر بأنّه قد يسقط بالعقوق والجحود، أو أن يتهم بذلك، إن لم يكن ضمن هويته التي يعرفه الناس بها الدولة التي ولد بها واحتضنته وعرفها وطنا له.

في الأثناء، يواصل أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، هجومه الحاد على النظام الرسمي العربي، بسبب موقفه من حرب غزة الراهنة، ولكنه لا يفتح جبهة بصواريخه من الجنوب اللبناني، ولم يطالب حلفاءه، في سورية بفتح جبهة من الجولان، تماما كما لم يطلب منهم ذلك إبان حرب إسرائيل ضد لبنان في تموز 2006. ولم يطلبه من "حماس"، كما لا تطلبه "حماس" من أي منهما الآن.

في الكويت يصل الجدل الشيعي– السني مداه ويعرقل مظاهر تضامن مع غزة.

أمّا في العراق، فيتسامى العراقيون، ورغم أنّ عمليات القتل والتفجير مستمرة هناك؛ يقوم العراقيون من نشطاء وبرلمانيين ورجال دين بالتأكيد على أهمية التحرك الفاعل لأجل وقف المجازر في فلسطين. أمّا السياسيون فشأنهم شأن النظام العربي، يشاطرونه حالة العجز.

هذه كلها، ومعها المظاهرات والاحتجاجات الشعبية العربية من أجل غزة، تعكس مدى الاختلاط والتشوش في اللحظة الراهنة.

فعندما لا يطلب أحد من "حزب الله" فتح جبهة من الجنوب اللبناني - إلا بعض خصوم الحزب الذين يتساءلون عن الأمر بهدف إحراج الحزب- فذلك لأنّ الجميع يعرف تعقيدات الوضع اللبناني، التي تمنع الحزب من القيام بالكثير؛ حيث لا يريد الحزب أن يتهم مجددا بأنّه يعرض لبنان للتدمير خدمة لمصالح وأهداف وقضايا وأجندات خارجية... ولكن حال الأنظمة العربية مشابه، فالأنظمة تعلن أنّ لديها أولويات، وحسابات، وعقبات، وصعوبات،... وكل طرف يعلن أنّه لا يستطيع الانفراد بتحرك ما وحده.

تتساوى دول "الممانعة" مع دول "الاعتدال"، وتتساوى قوى "المقاومة" مع "الأنظمة"،...فبرغم كل العاطفة... وكل القلق من تداعيات ما يحدث... وبغض النظر عن اختلافات الخطاب والشعارات المرفوعة... فالمحصلة واحدة، وهي: مواقف مشوشة... و(اللافعل)، وكل ذلك مرتبط بواقع الدولة القطرية.

التفاعل في الشوارع العربية هو تفاعل ورد فعل لا يختلف كثيرا عما يجري وسيجري في عواصم عالمية أوروبية وفي أميركا اللاتينية...وفي آسيا بما في ذلك كوريا الجنوبية والصين...فالكل يتظاهر والنتيجة السياسية محدودة.

رد الفعل على ما يحدث في غزة يكشف واقع "الهوية الملتبسة"...الأفراد خائفون...تتنازعهم حسابات وهواجس ومخاوف...لدرجة الشعور بالذنب إذا ما تبنوا أو أعلنوا هوية من دون أخرى من ضمن هويات الجنسية، والطائفة، والقبلية، والقطر، وكلها هويات متوترة يرفضها الأفراد وكثير من الأحزاب والقوى ولكنهم يقعون أسراها...، والجميع يعلن تمسكه بالهويات "الأسمى" العربية أو الإسلامية، ولكنه على أرض الواقع يبقى أسير الهوية الفرعية.

لقد حكم واقع الدولة القطرية وأولويتها، رد الفعل العربي إزاء الكثير من القضايا العربية بما فيها فلسطين، وذلك على مدى نصف القرن الماضي، والآن في حرب "غزة" نجد أنّ اعتبارات أخرى إضافية مرتبطة بهويات أخرى أكثر ضيقا، تفتت القطر الواحد، هي المحدد الفعلي لردود فعل "الجميع"، بغض النظر عن تباين الخطاب والشعارات.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إلتباس أم تشوه (د. علي عبد الكاظم الفتلاوي)

    الاثنين 5 كانون الثاني / يناير 2009.
    عزيزي الدكتور أحمد
    أنت وأمثالك؛ إذ تحيون الهم موقفاً.. عملاً.. وجداناً، سلام عليكم.. سلام على أهل غزة.. سلام على من يطلبون الحق بعد أن عرفوه، ويسعون لازهاق الباطل.. ينتصرون بدمائهم.. وهنئيئاً لهم عزتهم المخضبة بالشرف والكرامة.. هؤلاء الذين يعملون على شاكلتهم.. ورفضاً لمن يعمل يعبد الله على سبعين حرفاً.
    عرضت للمرجفين والمتنطعين كونهم ضحايا إلتباس الهوية. اسمح لي، وأنت العارف، أن الالتباس يبدو له استق
    راراً فيما بعد، فإنه تذبذب.. إلا أن النماذج التي عرضت لها هي نماذج مشوهة.. وهي نتاج لقيم مشوهة.. ونتاج لتركيبات ثقافية واجتماعية مشوهة، وما هم بالضحايا لهذا التشوه المصدري، وإنما مؤسسين مشاركين.. عزيزي لا أطيل ولا أزايد.. عساك أن لا تراهن على التعبئة الايديولوجية، إسلاموية وعروبوية .. وربما بطيخوية.. تأمل أن الحس والأخلاق اليهودية السامرية في بريطانيا أم تل أبيب كانت سباقة بإدانة الهمجية الصهيونية.. ومن ثم صحا آخرون.
    سلام على غزة وأهلها
    سلام على أطفالها ونسائها وشيوخها
    سلام شبابها ومجاهديها
    أشهد أنهم جاهدوا لله وللإنسانية حق الجهاد
    آمنهم الله.. آمنكم