العملاق الذي أفاق في آسيا الوسطى

تم نشره في الأحد 4 كانون الثاني / يناير 2009. 03:00 صباحاً

لاهاي- إن منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) تضم ما يقرب من نصف تعداد سكان العالم، والعديد من أعضائها يمتلكون الأسلحة النووية، وكثير من أعضائها من أضخم موردي الطاقة على مستوى العالم، وهي تضم بعض أسرع بلدان العالم نمواً على الصعيد الاقتصادي. ورغم ذلك فلم يسمع أحد خارج آسيا الوسطى عن هذه المنظمة غير عدد ضئيل من الناس.

لقد نشأت منظمة شنغهاي للتعاون على حطام الاتحاد السوفييتي في العام 1996. واليوم تضم بين أعضائها روسيا، والصين، وكازاخستان، وقيرغستان، وطاجيكستان، وأوزباكستان، بينما تعمل منغوليا، وإيران، وباكستان، والهند كمراقبين. وتظل روسيا والصين تلعبان الدورين الرئيسيين في المنظمة. منذ تأسيسها اكتسبت المناورات العسكرية التي تقوم بها المنظمة قدراً متزايداً من الطموح، فتطورت من مناورات ثنائية إلى مناورات تضم البلدان الأعضاء كافة. كما بدأت منظمة شنغهاي للتعاون في العمل الجماعي من أجل مكافحة الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة.

حتى وقت قريب كانت البلدان الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون تتعامل مع القضايا المتعلقة بالطاقة على المستوى الثنائي فقط. ولكن في إطار مساعيها الرامية إلى تنسيق استراتيجيات الطاقة وتعزيز أمن الطاقة، أسست المنظمة في العام الماضي نادياً يجمع الدول المنتجة للطاقة والدول المستهلكة لها، وبلدان المرور، والشركات الخاصة. وتسعى منظمة شنغهاي للتعاون إلى تعزيز التجارة الحرة أيضاً، كما تهدف إلى إنشاء البنية الأساسية، مثل الطرق والسكك الحديدية لربط بلدانها الأعضاء وزيادة حجم التجارة بينها، بينما تعمل أيضاً على مواءمة الأنظمة الجمركية والتعريفات.

ومع ذلك فإن التعاون داخل منظمة شنغهاي للتعاون ما زال مركَزاً على أهداف وطنية وليس على أهداف جماعية، وذلك لأن مصالح أعضائها تتفاوت إلى حد كبير. فالصين على سبيل المثال، تسعى إلى إيجاد أسواق لمنتجاتها وتوسيع مواردها من الطاقة، بينما تسعى روسيا إلى استغلال منظمة شنغهاي للتعاون للترويج لأجندتها المعادية للغرب. كما ترغب بقية الدول الأعضاء في المنظمة ـ وعلى رأسها الصين وكازاخستان ـ في تعزيز مستويات التعاون الاقتصادي مع الغرب. ولهذا السبب لم تتمكن روسيا، أثناء القمة التي عقدتها منظمة شنغهاي للتعاون في أغسطس/آب، من الحصول على دعم بقية الدول الأعضاء لها فيما يتصل بالنزاع في جورجيا.

إن هذه الأهداف المتباينة تجعل من الصعب علينا أن نعتقد أن منظمة شنغهاي للتعاون قد تتطور إلى نسخة شرقية من منظمة حلف شمال الأطلنطي. صحيح أن أعضاءها عقدوا مناورات عسكرية مشتركة، وأعربوا عن رغبتهم في تحويل منظمة شنغهاي للتعاون إلى منظمة أمنية أكثر نضجاً. بيد أن منظمة شنغهاي للتعاون ما تزال تفتقر إلى الكثير من العناصر الأساسية التي تتمتع بها منظمة أمنية ناضجة مثل حلف شمال الأطلنطي.

إن منظمة شنغهاي للتعاون لا تتمتع ببنية عسكرية سياسية متكاملة، ولا بمقر تنفيذي دائم. كما لا تملك قوة ردع سريع، ولا تنخرط في المداولات السياسية العادية. وفي حين يركز حلف شمال الأطلنطي على التهديدات الأمنية الخارجية فإن منظمة شنغهاي للتعاون تستهدف القضايا الأمنية داخل حدود أراضيها.

من المنطقي بالنسبة للغرب، وبخاصة الاتحاد الأوروبي، أن يسعى إلى التعاون مع منظمة شنغهاي للتعاون، إذ أن من شأن ذلك أن يساعد في التصدي لمحاولات روسيا الرامية إلى استخدام المنظمة كأداة من أدوات سياستها المعادية للغرب. ومن شأنه أيضاً أن يمنع منظمة شنغهاي للتعاون من التحول إلى كيان عسكري.

قد يبدو كل ما سبق وكأنه من الأسباب السلبية التي قد تدفع الاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع منظمة شنغهاي للتعاون، ولكن هناك أيضاً أسباب إيجابية وافرة لتشجيع هذا النوع من التعاون. إذ أن أوروبا تحتاج إلى إمدادات الطاقة من آسيا الوسطى، وآسيا الوسطى تحتاج في المقابل إلى الاستثمارات الأوروبية.

وتشكل أفغانستان مجالاً آخر للاهتمام المشترك. ففي الوقت الحاضر، يقدم الاتحاد الأوروبي الدعم المالي للحكومة الأفغانية ويساعدها في تدريب الشرطة وجهازها القضائي. ولقد أسست منظمة شنغهاي للتعاون مجموعة اتصال مع أفغانستان. ولكن يتعين على الجانبين أن يقوما بالمزيد من الجهد، وقد يكون بوسعهما أن يخلفا أثراً أعظم من خلال العمل معاً بدلاً من العمل بشكل منفصل. فالاتحاد الأوروبي يملك المال، أما منظمة شنغهاي للتعاون فقد تولت أغلب بلدانها الأعضاء ذات الحدود المشتركة مع أفغانستان تدريب الموظفين وتوجيه الخبرات في المنطقة.

كما يبدو التعاون مع منظمة حلف شمال الأطلنطي كتصرف حكيم على الصعيد الاستراتيجي. ونظراً للأهمية التي تتمتع بها الصين في كل من الأمور العسكرية والاقتصادية، ونمو العلاقات في مجالي الطاقة والتجارة بين آسيا الوسطى والغرب، والافتراض المعقول بأن أمن آسيا الوسطى سوف يظل يشكل أهمية عظمى بالنسبة للأمن الغربي، فإن التعاون بين منظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يبدو أمراً حتمياً لا مفر منه. ويتجلى صدق هذه الحقيقة في ضوء التهديدات الأمنية المشتركة التي تواجهها منظمة حلف شمال الأطلسي ومنظمة شنغهاي للتعاون في آسيا الوسطى، مثل العمليات الإرهابية وتجارة المخدرات التي يرعاها تنظيم القاعدة وحركة طالبان.

بيد أن كلاً من حلف شمال الأطلسي ومنظمة شنغهاي للتعاون يبديان قدراً عظيماً من التردد حتى الآن في الانخراط في اتصال أوثق. والحقيقة أنه من الصعب أن نجزم ما إذا كان حلف شمال الأطلسي يتبنى أي رأي على الإطلاق فيما يتصل بمنظمة شنغهاي للتعاون. وفي أفضل التقديرات نستطيع أن نقول إن حلف شمال الأطلسي يبدو وكأنه ينظر إلى منظمة شنغهاي للتعاون باعتبارها لا تمثل مشكلة ولا تشكل فرصة.

لا شك أن التواصل مع منظمة شنغهاي للتعاون سوف يدعم أهداف حلف شمال الأطلسي المعلنة. ففي أعقاب الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، توصل الحلف إلى استنتاج مفاده أن التعامل مع هذا النوع من التهديدات قد يتطلب العمل على أساس عالمي، وهو ما يفسر تواجد حلف شمال الأطلسي في أفغانستان. وكجزء من هذه الاستراتيجية العالمية، عمد حلف شمال الأطلسي إلى تعزيز علاقاته مع شركائه في أماكن أخرى من العالم، بما في ذلك منطقة جنوب شرق آسيا، والتي تشكل المنطقة المسؤولية الرئيسية بالنسبة لمنظمة شنغهاي للتعاون.

وربما كان من المحتم أن تنظر منظمة شنغهاي للتعاون ـ وروسيا والصين باعتبارهما عضوين رائدين فيها ـ إلى التواجد المتزايد لحلف شمال الأطلسي في المنطقة بقدر من الارتياب وعدم الثقة. وما دام حلف شمال الأطلسي متردداً في الدخول في حوار مع منظمة شنغهاي للتعاون، فلابد أن يظل هذا الموقف الحذر المرتاب قائماً، بل وربما يتفاقم مع الوقت. وعلى هذا فلابد من النظر أيضاً في إقامة مجلس مشترك بين حلف شمال الأطلسي والصين، على غرار المجلس المشترك بين الحلف وروسيا، فضلاً عن إنشاء الترتيبات التي من شأنها أن تيسر المزيد من التعاون مع منظمة شنغهاي للتعاون ككل.

إن مثل هذا النوع من التعاون لن يصلح الخلافات الرئيسية بين البلدان الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون وبين الغرب فيما يتصل بقضايا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولابد وأن يشمل التعاون أيضاً ما هو أكثر من مجرد وضع الخطط المشتركة، بل ينبغي أن يتضمن السعي وراء تنفيذ المشروعات الأصغر نطاقاً، والتي تشكل فائدة مشتركة للطرفين. فيستطيع حلف شمال الأطلسي أن يعمل بالتعاون مع منظمة شنغهاي للتعاون على إزالة الألغام المضادة للأفراد في أفغانستان، وما إلى ذلك من الأنماط الممكنة من تدابير بناء الثقة، مثل العمليات المشتركة لتدريب قوات الشرطة ومكافحة المخدرات.

إذا كان لهذا التعاون الأمني أن ينجح فلابد من تجنب القضايا ذات الحساسية السياسية، مع التركيز التام على اتخاذ تدابير عملية. وهذا النهج من شأنه أن يخدم مصالح البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومنظمة شنغهاي للتعاون، وأخيراً وليس آخراً، أفغانستان.

* كبير الباحثين لدى المعهد الهولندي للعلاقات الدولية Clingendael.

 خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق