بثّ تلفزيوني كردي في تركيا.. هل يكفي؟

تم نشره في السبت 3 كانون الثاني / يناير 2009. 03:00 صباحاً

مع بداية العام الجديد أطلقت الحكومة التركية بثّاً تلفزيونياً فضائياً على مدار الساعة باللغة الكردية. وقالت المؤسسات التركية المسؤولة إن القناة التي تحمل إسم تلفزيون (تي آر تي 6) ستختصّ ببثّ أغان وبرامج موسيقية وثقافية ونشرات إخبارية موجهة الى الأكراد في تركيا. يشار الى أن أنقرة تأمل في أن يسهم البثّ في تحقيق المتطلبات الثقافية واللغوية للأكراد.

في الواقع، تأتي هذه الخطوة في إطار الجهود التي تبذلها الحكومة التركية لإدخال تعديلات جوهرية على سياستها الكردية. معروف أن هذه السياسة تميزت طوال العقود الثمانية الماضية بطابع قمعي ودموي بحت وأفضت الى نشوء حركة سياسية متطرفة بين الأكراد عبّرت عن نفسها من خلال حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة ضمن المنظمات الإرهابية. في معنى آخر، تأمل تركيا في أن تسهم هذه القناة في عزل حزب العمال عن وسطه الكردي وتطويق طروحاته الآيديولوجية المتشددة.

يشار الى أن الحزب يدير منذ أكثر من خمسة عشر عاماً قناة تلفزيونية فضائية بإسم (روج تي في) تبثّ من الدانمارك وتستقطب جموعاً هائلة من المشاهدين الأكراد داخل تركيا وخارجها. أوساط إعلامية في أنقرة ترى أن هذه القناة تشكل المصدر الاساس لترويج أفكار العنف وحضّ الشباب على الإنخراط في حزب العمال. يشار أيضاً الى أن الحكومة التركية حاولت، طوال السنوات الماضية، إقناع دول الاتحاد الأوروبي بوقف بثّ قناة (روج تي في). لكن الأوروبيين رفضوا الفكرة لكونها قناة مرخصة بشكل قانوني ولا تتعارض برامجها التي يغلب عليها الطابع الفني والتراثي مع القوانين المرعية.

في المقابل حاولت الدول الاوروبية الضغط على تركيا بغية إقناعها بإيلاء اهتمام كاف بالحقوق الثقافية للأكراد الذين يربو تعداد نفوسهم داخل تركيا على عشرين مليون نسمة. كما طالبتها برفع الحظر عن اللغة الكردية وتوفير الفرصة أمام الأكراد لتنمية فنونهم وآدابهم. بل أن الاتحاد الأوروبي الذي تعمل تركيا منذ ثمانينات القرن الماضي على الانضمام الى صفوفه، جعل من ضمان الحقوق الثقافية للأقليات شرطاً لتحسين سجلها في ميدان حقوق الإنسان وتأهيلها للانضمام الى عضويته الدائمة.

في كل الأحوال، صنعت تركيا حسناً بإطلاقها القناة الكردية. والأكيد أن الأكراد سيستقبلونها بفرح عارم وأمل كبير. فإطلاق البثّ الكردي يمكن أن يشكل، في الحالة التركية، خطوة حقيقية على طريق التعامل بواقعية وروية مع القضية الكردية التي تعتبر إحدى أكثر القضايا السياسية تعقيداً لا في تركيا فحسب، بل في الشرق الأوسط. في هذا الإطار، من المهم للحكومة التركية أن تعرف أن هذه الخطوة ستفقد أهميتها وجاذبيتها إذا سخّرتها الحكومة لأغراض الدعاية السياسية، أو إذا حاولت استخدامها لنشر نفوذ حزب العدالة والتنمية الحاكم في المناطق الكردية. ما يزيد شكوكاً من هذا النوع، أن إطلاق القناة يتزامن مع الحملات الدعائية الخاصة بانتخابات المجالس البلدية في تركيا في التاسع والعشرين من شهرآذار (مارس) المقبل. يذكر أن تقارير عدة ذكرت أن حزب العدالة والتنمية يحاول طرد نفوذ حزب العمال من المدن والقصبات الكردية عن طريق كسب (قلوب) المواطنين الأكراد في الانتخابات البلدية المقبلة.

الى هذا، هناك احتمال خطأ أكثر جسامة مصدره أن تتصور أنقرة أن البثّ التلفزيوني باللغة الكردية كفيل، وحده، بطيّ صفحة الاحتقان الدموي الحاصل، منذ عقود طويلة، في بنية العلاقات التركية الكردية. أو تتصور أن فرح الأكراد بموسيقاهم التقليدية وأغانيهم المحلية ودبكاتهم سينزع عن أكتافهم الأسلحة وينسيهم قهر الظروف السياسية ويدفع بهم الى الكفّ عن تلطيخ شوارع دياربكر واسطنبول بالدماء. أو أنه سيقنعهم بالانفضاض عن حزب العمال والابتعاد عن طروحاته العنيفة.

فتركيا ما تزال تنزف وتعاني من مشكلة كردية عويصة تتشابك فيها عوامل سياسية وثقافية وإقتصادية وعسكرية. الى هذا، يعتقد الأكراد أنهم أصحاب قضية سياسية تتصل، تاريخياً، بواقعهم القومي المقهور والغمط الفضّ لحقوقهم وحرياتهم وخصائصهم الذاتية ورفض وجودهم الاثني. كذلك يرون أن حزب العمال، الذي يلتفون حوله ويرون فيه طوق النجاة من آلامهم التاريخية، ليس في حقيقته سوى النتاج الطبيعي لحالة القهر والحرمان التي عانوا منها منذ عهد مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. لهذا كلّه، لابد لتركيا من إيجاد آلية عملية تهدف لا الى ترضية الأكراد وكسب قلوبهم فحسب، بل الى حل مشكلتهم السياسية في المقام الأول.

أما الآلية فتتمثل في امتلاك أنقرة جرأة سياسية كافية تسمح لها بالانفتاح السياسي على الحالة الكردية ومحاورة الأطراف المعتدلة في أوساطها، خصوصاً في أوساط البرلمانيين الأكراد، والبحث معهم في أهم ما يمكن فعله من أجل تحويل الوضع الكردي الى عنصر قوة في بنيان الدولة التركية. في الواقع، أثبتت حكومة حزب العدالة والتنمية خلال السنتين الماضيتين أنها تمتلك، بالفعل، قدرة ملحوظة على الاستماع والتفاعل والتجاوب الإيجابي مع كل ما من شأنه تطوير الدولة التركية وتحويلها الى دولة عصرية وديمقراطية لكل مواطنيها وقادرة على نشر الديمقراطية في فضائها الإقليمي.

ثم أن أنقرة مطالبة بتنشيط برامج التنمية الاقتصادية للمناطق الكردية وتحسين الشروط المعيشية لمواطنيها الأكراد، إضافة الى إلغاء حالة الطوارئ عن الولايات الكردية في البلاد وتخفيف الانتشار العسكري والأمني الواسع في المدن والقصبات في جنوب شرقي البلاد. هذا، بالطبع، علاوة على تقليص دور الجيش التركي في هذه المناطق وإعادته الى ثكناته وتسليم الملفات الامنية الى أجهزة الشرطة كما هي الحال في بقية المدن التركية. 

الأهم من هذا كلّه، أن تعمل الحكومة على إعادة بناء جسور الثقة بينها وبين المواطنين الأكراد، خصوصاً أن عقود القتل والحرب والدمار، ألحقت اضراراً جسيمة بهذه الثقة، إن لم نقل أنها أفقدتها بشكل مريع. لا جدال في أن عملية إعادة الثقة تتطلب، أولاً، إصدار عفو حقيقي عن أعضاء حزب العمال والسماح لمن لا يرغب منهم في العودة الى تركيا بالانتقال الى إحدى دول اللجوء. ثانياً، إعادة أهالي القرى المرحلة الى مناطقهم وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم. وثالثاً، وقف قصف المناطق الحدودية في كردستان العراق وتسريع عملية التطبيع والتعاون مع الحكومة الكردية العراقية.

بيد أن قرار أنقرة الخاص بإطلاق بثّ تلفزيوني باللغة الكردية يظل صحيحاً. بل يظل توكيداً حقيقياً على أنها جادّة في تطبيق برامجها الإصلاحية. هذا رغم أن إطلاق تلفزيون فضائي، في مطلع القرن الواحد والعشرين، لم يعد من الحقوق القومية المتميزة، ورغم أن  الأكراد، في الشرق الأوسط، أصبحوا يمتلكون نحو ثلاثين قناة فضائية. مع هذا، يصح الترحيب بالقرار، مع التذكير أنه في حاجة الى قرارات أكبر وأكثر شمولاً وجرأة.

التعليق