د.أحمد جميل عزم

مذبحة غزة و"يا وحدهم"

تم نشره في الأحد 28 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

لقد سبق للعالم أن شاهد مرارا جثث ومذابح الفلسطينيين، وهناك أرشيف صور كبير للمذابح التي تعرض لها الفلسطينيون، ولكن ما رأيناه أمس أمر غير مسبوق، وإن كان غير مفاجئ البتة، وهذا بحد ذاته يزيد فداحة ما حدث.

رأينا أولا، مئات الجرحى وسط أكوام من الشهداء، يحتضرون دون وجود من يمد يد المساعدة لهم. فلطالما رأينا رجال الإسعاف الفلسطينيين ينقذون الجرحى، ولكن أن نرى الجرحى يحتضرون، سواء أكانوا شرطة لا سلاح ليس لديهم سوى سلاح الشرطة الخفيفة، أو حتى من المعتقلين في السجون في غزة، أو كانوا من الأطفال ممن يسكنون بجوار المقرات الأمنية، هو الأمر الجديد.

رأينا أشخاصا يرفعون أصابعهم بالشهادة ويرددونها، قبل أن تصعد أرواحهم إلى بارئها، بينما رجال الإسعاف تائهون يبكون ويصرخون، بسبب ما يرون وبسبب عجزهم، وهذا نتيجة أنّه تم تفريغ غزة من الدواء، وتم شل المستشفيات، وتم قطع الوقود اللازم لتسيير عربات الإسعاف،  قبل أن تبدأ المذبحة. في المقابل وقبل بدء المذبحة نشر الجيش الإسرائيلي 200 سيارة إسعاف في أنحاء فلسطين المحتلة عام 1948 تحسبا لرد فعل المقاومة.

ثم ما رأيناه ثانيا، ولم نره من قبل، أنّ عمليات أمس تأتي ترجمة لتهديدات أطلقتها وزيرة خارجية إسرائيل، تسيبي ليفني، من قلب أكبر عاصمة عربية قبل أيام، فقد استمرت الموجة الأولى من القصف الإسرائيلي أمس مدة ثوان معدودة، واستهدفت ثلاثين مقرا أمنيا، ولكن العالم كله كان يعلم ومنذ أيام أنّ هذه الغارات ستحصل.

إذا كان لا بد، رغم الألم أن نتساءل لماذا لم يتم إفراغ هذه المقرات، الواقعة في المناطق المدنية، في الأيام الفائتة، خاصة أن الغارات الإسرائيلية كانت متوقعة، بعد انتهاء التهدئة؟ فإنّ رجال الشرطة الذين استهدفوا ليسوا من يطلق الصواريخ على إسرائيل، وليسوا جزءا من أي عمليات هجومية على إسرائيل، وما تم هو مجرد استهداف لمجمل الشعب الفلسطيني، وجزء من خيار الإبادة.

إنّ هذا السيناريو الذي رأيناه أمس كان متوقعا وشبه حتمي، وكتبت عنه الصحف وتناقلته التلفزيونات، وعقلية إيهود باراك، وزير الدفاع في إسرائيل، معروفة، وتكشف ما حدث أمس وما قد يحدث غدا. فباراك الذي تم تعيينه في منصبه الحالي بعد هزيمة إسرائيل في تموز 2006، في لبنان، يكره المواجهة المباشرة ويتجنبها، وكان قد قال عقب تسلمه منصبه، إنّ نهج حرب تموز في لبنان كان خطأ، وإنّه كان يجب القيام بعمليات قصف كثيف وشديد والقيام باغتيالات، ثم الحرب البرية. وباراك هو من بدأ، عندما كان رئيسا للوزراء عام 2000، نهج قصف المقرات الأمنية ورجال الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية من الجو بدل الاعتقالات والتوغل، وهو من قام شخصيّا باغتيال قادة المقاومة الثلاثة كمال عدوان، وأبو يوسف النجار، وكمال ناصر في فردان في بيروت عام 1973، وقتل أبو جهاد (خليل الوزير) في تونس عام 1988، ولذلك كان واضحا، منذ أيام أنّ باراك سيبدأ بعمليات قصف موسعة أو اغتيالات مؤلمة في القيادة السياسية للمقاومة في غزة، وربما في الخارج ضد قيادات "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وأنّ ذلك قد يكون تمهيدا لمرحلة ثانية، أوسع.

لقد كان التقييم العسكري الإسرائيلي هو أنّ أي عملية برية في قطاع "غزة" ستؤدي لوقوع خسائر فادحة في الجيش لإسرائيلي، وذلك بعد أن طورت فصائل المقاومة قدرات ردع واضحة، ولذلك فالسياسة التي يتبعها باراك هي سياسة الأرض المحروقة، حيث يريد حرق كل شيء أمامه بدءا من الأطفال وصولا لقادة المقاومة، في كل مكان ثم وبعد ذلك قد تدخل قوات برية لمواصلة ما بدأه سلاح الجو.

مع مذبحة أمس يصبح الإسرائيليون العاديون مستعدون ويتوقعون ردود الفعل، بدءا من القصف الصاروخي من الفلسطينيين وصولا للعمليات الاستشهادية والعمليات بأنواعها، وآنذاك ستتواصل عمليات القصف والقتل من الجو، وضمن عمليات محدودة، فيما لن يكون هناك اجتياح على شكل بيروت 1982، أو جنين 2002، إلا إذا تم حرق الأرض تماما قبل تقدم جندي إسرائيلي واحد.

لقد قامت إسرائيل بعمليات شبيهة نسبيا ضد قوات المقاومة الفلسطينية في بيروت عام 1982، بعد أن توغلت برا، ووصلت في مرحلة ما لعدم قدرتها على التقدم على الأرض فعمدت للتمهيد لتقدمها البري، بأنّ قصفت بعشرات آلاف الأطنان مقرات المقاومة والأحياء المدنية على السواء، واستمرت الحرب 80 يوما، ويومها قال قائد المقاومة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كلمته المشهورة "يا وحدنا"، ولا يوجد ما يقوله الفلسطينيون في غزة الآن سوى ذات الكلمة.

ما سيحدث في الساعات والأيام المقبلة، يعتمد على ردود الفعل، فالمذبحة قد تتوسع وتستمر إن لم يوجد من يوقف إسرائيل، وقد تصل حد الإبادة الجماعية الأوسع، ولن يكون إيقافها بالإدانة والشجب، ولا بد من فعل سياسي يكافئ ما حصل. ومثلما كان لحرب بيروت 1982 ولمذابح صبرا وشاتيلا تداعياتها الدولية والعربية العميقة، ومثلما استمرت المقاومة، فإنّ المقاومة ستستمر وتتعمق، والتداعيات ستحدث في كل الاتجاهات، بعد أن أثبتت إسرائيل رفضها لأي نمط من أنماط التهدئة والتفاوض، وسيكون الخطأ الرسمي العربي الأكبر توقع أنّ الأزمة الراهنة ستكون كسابقاتها.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يخجل العار منا (جمال)

    الأحد 28 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    العرب والعروبة...ما لجرح بميت ايلام.
    عار ثم عار ثم عار ثم عار
  • »نعم الشعب الفلسطيني لوحده (محمد)

    الأحد 28 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    للاسف اتوقع ان لا يكون هناك اي رد سياسي على مستوى ما حدث (وبالطبع لن يكون هناك رد عسكري على ذات المستوى) ستحرق غزه ولن يكون هناك سوى بعض المظاهرات هنا وبعض الشجب هناك وكثير من (الردح) العربي الداخلي المتبادل, ستحرق غزه والعالم يشجب حماس ويتعاطف مع اسرائيل, اتوقع ان تنهي اسرائيل شكليا حكم حماس في غزه ولكنها النتيجة ستكون تفريخ خلايا اكثر ميولا للعنف وبنفس الوقت للاسف تبعد اخرين عن نهج الاعتدال والسلام الذي من الواضح ان اسرائيل لا تتعايش مع فكرته,ستعود بعض العمليات في اسرائيل وسندخل دوامه اكبر من العنف تستغل اسرائيل به قضم مزيد من ارضي فلسطين وتثبيت الامر الواقع السئ, ستزيد من الموقف السيئ لدول ومؤيدي السلام والاعتدال وحتى لو قامت الدول بموقف موحد بقطع العلاقات مع اسرائيل او سحب السفراء فلن يحيد اسرائيل عما تريده.
  • »يا وحدنا (مصطفى الزعبر)

    الأحد 28 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    حسبي الله ونعم الوكيل في الخونة الذين استباحو اعراضنا ويموت اطفالنا. شكرا دكتور احمد. لن توقف اسرائيل عملياتها.

    نحن امة لو نظرت اليهم لذوبتهم فكيف اذا حدقت في البنادق عابسة