د.أحمد جميل عزم

تقرير "نيويورك تايمز" عن انتخابات الأردنية

تم نشره في الجمعة 26 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

نشرت "نيويورك تايمز" (يوم الأربعاء) تقريرا مطولا نسبيّا، مصورا، تحت عنوان "طلاب أردنيون يتمردون بتبني الإسلام". يتضمن التقرير قراءة على هامش انتخابات طلبة الجامعة الأردنية الأخيرة، وهو محاولة لتحليل ظاهرة إقبال الطلبة على الاتجاه الإسلامي، أكثر منه قراءة في نتائج الانتخابات. 

أتوقف عند قضيتين رئيستين، في التقرير، أولاهما تتعلق بأسباب انضمام الطلبة للحركة الإسلامية، والثانية تتعلق بتعاطي الإسلاميين مع العملية الديمقراطية.

وبالنسبة لأسباب الانضمام يشير التقرير لأسباب متنوعة، أولها مسألة "العدالة الاجتماعية"، إذ يخصص معدو التقرير جزءا كبيرا من تقريرهم لقصة طالب انضم لجماعة الإخوان المسلمين بعد أن ضاعت فرصه بالحصول على منحة للدراسة في الخارج بسبب عدم وجود "واسطة" لديه.

فالتقرير يتجاهل حقيقة أنّ المنح للدراسة في الخارج في مرحلة البكالوريوس، ليست شيئا يتنافس عليه الطلاب، لأنّه لا توجد منح للدراسة في الجامعات العالمية الكبرى والتنافس هو للدراسة في الجامعات الأردنية الحكومية. وكان التقرير سيكون أكثر إحكاما لو درس وجهات نظر شباب "الإخوان" الأكبر سنا والسابقين، وقد التقى التقرير عددا منهم فعلا، وهل يعتقدون فعلا أنّ "الجماعة" وقادتها ظلوا بعيدين كليّا عن الواسطة سواء في علاقاتهم مع الدولة، وفي المؤسسات التي يديرونها، وداخل الجماعة ذاتها؟ فلطالما سمعنا شكوى من شباب الإخوان حول ذلك.

السبب الثاني، الذي يطرحه التقرير، هو استغلال القضايا القومية الكبرى للتعبئة، فيشير التقرير لقصة اعتصام طلابي حول قطاع غزة. ولا شك أنّ تبني هذه القضايا، ومحدودية القنوات الأخرى للتعبير عنها، أمر يصب في مصلحة شعبية التيار الإسلامي.

السبب الثالث، كما في التقرير، أنّ العضوية في "أسر" الإخوان، توفر متنفسا للشاب للتعبير عن طاقاته ونفسه، وتوجد "شعورا بأنك تستطيع المشاركة بالتغيير"، و"أنك جزء من شيء مهم". وهذا السبب في واقع الأمر صحيح، فمسألة شعور الشاب بالقبول الاجتماعي، وشعوره أنّه جزء من شيء أكبر، ومن "جماعة"، وبأنّه فاعل ومؤثر، كانت دوما من عوامل انضمام الإنسان (في أي مكان في العالم) لجماعة ما سياسية أو فكرية أو خيرية...إلخ.

فالشاب العربي في الجامعات، في الأردن وخارجها يجد ذاته محاصرا في إطار خيارات أولها الإسلامية، وثانيها (الاثنيّة التقليدية): العشائرية والطائفية والجهوية، وثالثها، الجماعات التي تلقى رعاية رسمية بهدف أساسي هو إيجاد منافس للإسلاميين. وإذا ما تحولت الرعاية الرسمية للطلبة بصفتهم الفردية من دون النظر لانتماءاتهم الاثنية والسياسية، فهذا سيوجد مناخا لبروز تعددية حقيقة.

أعتقد أنّ استمرار المناخ الحر - المنضبط في الجامعة الأردنية وتعميمه لجامعات أخرى، سيؤدي بعد سنوات لبروز جماعات طلابية جديدة، لها برامجها الطلابية المنزهة عن التوظيف السياسي، ولا أستبعد أن يتحول هؤلاء لنواة تيارات سياسية وفكرية مستقبلية ربما تنقذ الحياة السياسية والديمقراطية في الأردن.

القضية الثانية التي أتوقف عندها في تقرير "نيويورك تايمز"، هي مسألة مفهوم الإسلاميين للديمقراطية. فالتقرير يوضح حقيقتين؛ الأولى أنّ كثيرا من الطلبة المتعاطفين مع "البديل الإسلامي"، لا يوافقون على ممارسات الإسلاميين المسيسين، ويرون بعضها تطرفا، ويشككون في صدق ادعاءاتهم بشأن الديمقراطية، وهذا يقود لحقيقة أنّ المناخ الحر سيضع كثيرا من هذه الممارسات موضع التجربة والنقاش، أمّا القيود فتسمح للجماعات الأصولية بادعاء المثالية والديمقراطية.

والحقيقة الثانية، التي يلمح لها التقرير قول أحد قادة التيار الطلابي الإسلاميين، إنهم لا يسعون "للسيطرة على كل شيء"، ويقصد أنّ الإسلاميين لم يترشحوا في كل مكان، وأنّ كتلتهم الانتخابية تركت هامشا لفوز آخرين. وهذا التوجه جاء في جزء منه لأنّ نظام توزيع الدوائر الانتخابية في الجامعة، وفقا لأقسام التخصصات العلمية، وهناك أقسام لا وجود منظما للإخوان فيها. وعدم سعي التيار الإسلامي السيطرة على كل الدوائر يستحق الإشادة، لأنّه اعتراف ضمني بعدم صحة سيطرة لون واحد على الحركة الطلابية حتى لو استطاع، بفعل قدراته التنظيمية.

المناخ الحر، سيكون اختبارا للتيار الإسلامي، وفرصة لرقابة شعبية ديمقراطية لأدائه وصدقه، بقدر ما هو فرصة له، وكثير من المقولات الغامضة وغير المختبرة حول الديمقراطية والحرية الشخصية وموقف التيار الإسلامي منها ستصبح موضع نقاش واختبار عمليين.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صح النوم (علي)

    الجمعة 26 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    يبدو ان النيويوك تايمز أكثر الماما بأوضاع الأردن من الكاتب. فبينما هو مشغول بضحض كلمة "ينافس" نسي ان معظم الهبات والبعثات و "الهدايا" والرحلات "الطبية" وغيرها تتم عن طريقة منافسة ولكن ليست رسمية او معلن عنها لكن منافسة خلف الكواليس يعلم عنها المقربون فقط ويفوز فيها الواصلون. صح النوم أستاذ.
  • »خالد الكركي صنع التاريخ الجامعي (عمر شاهين)

    الجمعة 26 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    في ظهير 21 /12/ 2008 كنت في الجامعة الأردنية، لأحضر مناقشة رسالة ماجستير في كلية الشريعة قدمها أحد أصدقائي. على أبواب الكلية تجمع عشرات الشباب والفتيات من المتعاطفين مع التيار الإسلامي يرتدي بعضهم شارات وقبعات خضراء ، كانوا يوزعون أنواعا عديدة من الحلوى على كل من يمر هناك ،فقد غمرتهم الفرحة لأن تيارهم حقق نصف النتائج انتخابات اتحاد الطلبة ، ولم يصابوا بحالات قهر أو خيبة أمل مثل الأعوام السابقة التي كان التعيين والتدخل في الانتخابات يفسد تأسيس حلم طلابي انتخابي شفاف يضيء رؤية الطالب لمصطلح الحياة الديمقراطي ، ولا يصنع فيه الإحباط وتشجيع الغربة والهروب من واقع مؤلم تصنعه قوى يأبى تحمل حرية قرار . فقد أعلن مسبقا وبخطوة جريئة جدا رئيس الجامعة د. خالد الكركي أنه ألغى نظام تعين نصف المجلس وتعهد بانتخابات نزيهة.

    يوم الانتخابات الحر بلا تعيين في الأردنية شكل ولادة قيصرية سريعة للتعليم في الأردن بعد أن أعلن وفاتها الدكتور محمد عدنان البخيت . لم يقصد العلامة البخيت موت التعليم أكاديميا، فطلابنا على مستوى عال من التميز ، ولكن الموت فكريا واغتيال الشخصية المؤثرة وانزياح الطلاب نحو المشاركة المجتمعية خارج جلسات الحب والترفيه. واستمرارية نظام التلقين والدراسة لأجل الامتحان والوظيفة هم آفات جامعية خطيرة .

    هذه الخطوة كانت بحاجة لقامة مثل خالد الكركي، فهو ليس أكاديميا أو مثقفا عاديا. فلم تحبسه الدراسات العليا التي تنقلت من الأردن إلى بريطانيا من أن يعيش في متعة الماضي العربي الأصيل ويرحل مع المتنبي في شعره ويحفظه ويردده في كل جلسة ، ويقضي لياليه مع الروايات الأردنية ونهاره باحثا في متعة اللغة محاولا أن لا ينزل عن حصان القومية العربية . هذا الذي لم تمنعه الجامعة ولا السياسة ولا رئاسته للديوان ولا مقعد منصبه كوزير ولا الأدب ولا كل أشكال الانفتاح أو الانغلاق الثقافي أن يظل خالدا الشاب الذي نشأ قرب قلعة الكرك .

    يدرك تماما هذا الذي أبهرني مبكرا عبر كتابه أوراق عربية والذي نشر فيه مقالات سبق أن حلق فيها في صحيفة الرأي أو محاكمة ما مضى من عمره في كتابه سنوات الصبر والرضا .

    أغلقت رابطة الكتاب في عام 1987وكان يرأسها الكركي والذي أعاد فتحها بعد أن صار وزيرا للثقافة عام 1989هذا الشعور وما رافقه من احتلال للعراق واجتياح للجسم البشري والجغرافي لفلسطين التي تُشاهد خليلها من جبال الكرك. شكل الصورة التي طبعت في عقل خالد الكركي عن ثمة ثورة يجب أن تولد في جيل ما تمنع مصادرة رغبة وهدف الإنسان العربي .

    كلام كثير قي في المجالس الأكاديمية والسياسية لهذا الرجل الذي يهم الجهتين ، فمنهم من جعل هذه الخطوة لخالد الكركي خاتمة لمرحلة ماضية ، حسمها لمعرفته نتيجة مسبقة ، ومنهم من جعلها نقطة تحول قد تكون ضد خالد الكركي ، ولكن النتيجة حسمت والبصمة وضعت .



    في الوطن العربي تسعى الكثير من القوى إلى التدخل في النتيجة النهائية للحياة السياسية كي يسهل عمل المراقبة فيما بعد ، فتتدخل في البرلمانات والانتخابات الطلابية ، وهذا لم يفلح يوما لأنه يصنع ظلا وليس حلا ، فالأجدى إشهار الفكر السياسي الذي تريده مثلا إدارة الجامعة أو الحكومة كبديل للقوى السياسية اليسارية أو الإسلامية ، واختيار حتى الطالب المميز وهذا ما لم يحصل في الكثير من حالات التعيين. ولنقل أصلا لما تعادى وتحجم التيارات الشبابية السياسية في ظل ابتعاد هائل شعبي متنوع عن كل مسارات المشاركة السياسية فالجامعات التي تحولت إلى بؤر من الإقليمية وساحات الصراع هي المكان الأنسب لصناعة حوار سياسي للحزبين أو للمتعاطفين وللمشاهدين وكل يوصل فكرته والنتيجة تحسمها ساحة الانتخابات .

    لن تنفعنا كل وزارات التنمية السياسية أو كل ما كتب عن الحرية الصحافية وما تدرسه المراكز البحثية إن لم نصنع طريق الحرية والوطنية في داخل الطالب الجامعي فالمستقبل هو وهو المستقبل . واليوم احتفينا بنصر حققه مثقف، وسياسي، وحكومي، و وأديب وابن لقلعة الكرك صنع نقطة انطلاق .

    Omar_shaheen78@yahooo.com