عشاءان دافئان في الشمال الاسكتلندي

تم نشره في الاثنين 22 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

تشهد منطقتنا تطورات كثيرة تستحق الكتابة عنها، ولكني وجدت أن ذكرى عشاءين مضى عليهما سنوات عدة تستحق أن اتوقف عندها مع اقتراب نهاية العام. أولهما، بدأ بدعوة تلقيتها من جامعة سانت أندروس الأسكتلندية مع بدايات انتفاضة الأقصى عام 2000، أي في مثل هذه الايام قبل ثمانية أعوام. وسانت اندروس "مدينة" على البحر سكانها نحو 15 ألف شخص منهم 5 آلاف من الطلاب أتوا من دول عديدة حول العالم، وقد تأسست الجامعة عام 1413 ميلادية.

كانت المحاضرة بمناسبة الانتفاضة، وذهبت إليها مسلَّحا بكثير من الرسوم البيانية والأرقام لأثبت أن الإسرائيليين ضاعفوا الانتهاكات والاستيطان بعد معاهدة أوسلو 1993، وبالتالي هم الذين يرفضون السلام ويستغلونه.

وكانت خيبة أملي الأولى أنّ الحضور – لسبب ما وعلى عكس النشاطات المتعلقة بفلسطين - لا يتجاوز الـ20 شخصا. وخيبة الأمل الثانية، أن زميلي الذي يشاركني إلقاء المحاضرة، وهو موظف سابق في الاتحاد الأوروبي، قد عمل باحثا ميدانيا لاستقصاء الوضع في الضفة الغربية، كان يقدم تقريبا الأرقام والمعلومات ذاتها، مما جعل المحاضرة تبدو مكررة، لكن حظه كان سيئا؛ لأنني كنت أنا من بدأ الحديث. ومع هذا مرت المحاضرة بشكل جيد جدا فقد كانت الأرقام مفاجئة للحضور.

عقب المحاضرة دعاني منظموها لتناول العشاء في مطعم هندي، ووجدت نفسي أتناول وجبة ساخنة في أمسية بالغة البرودة، مع ستة أشخاص، أحدهم نرويجي - هو زميلي الذي ألقى المحاضرة معي، وإيراني يحب كل شيء في إيران إلا نظامها الحاكم، وفرنسيتين إحداهما أستاذة للبيولوجيا ومتزوجة من فلسطيني كان معنا أيضا، قادم من الخليل ويدرس تخصصا علميا نسيته الآن، والثانية في العشرينيات من عمرها سبق لها العمل ممرضة متطوعة لستة أشهر في قرية قرب بيت لحم، وروت ذكريات عديدة عن معاناتها على الحواجز العسكرية، ومما أذكره قصة معاناتها أثناء واحدة من محاولاتها للذهاب إلى رام الله، حيث يمكنها أن تتناول مشروبا كحوليا لا يمكن لها أن تتناوله حيث تعمل (في عشائنا لم يكن هناك شراب كحولي احتراما لحضوري)، وكان الشخص الأخير في العشاء شابة اسكتلندية، لا أذكر عنها سوى مظهرها، بنظاراتها السميكة وشعرها المرتب على عجل، ما يجعلها تستحق معه لقب "دودة قراية".

كان العشاء بتنوع الجنسيات والثقافات أكثر من رائع، وقد تمحور الحديث فيه عن فلسطين، بما جعلني أدرك كم كانت فلسطين تعني لكل هؤلاء قضية محورية في حياتهم، باعتبارها قضية عدل وحقوق قبل أي شيء. كان الدفء في شخصياتهم، من النوع الذي لا بد أن يلح عليك كثيرا كلما تذكرت البرودة التي نعيشها وسط تعقيدات الحياة السياسية والمهنية اليومية.

أما العشاء الثاني، فكان في مثل هذا الأسبوع قبل أربعة أعوام، في أدنبرة، عاصمة اسكتلندا، التي يتم تدريس اللغة العربية في جامعتها أدنبرة منذ نحو 260 عاما، بينما يعود تأسيس الجامعة لعام 1582، وكنت أعود لزيارة الأصدقاء هناك، وكنت برفقة صديقي "روس"، النجار الاسكتلندي الذي يعشق العرب وفلسطين، ومؤلف كتاب عن حرب عام 1948، والذي تعود معرفتي به إلى عام 2000، يوم اتصل صديق اسكتلندي شاب كان يكرس تلك الفترة من حياته لمساعدة العراقيين تحت الحصار، يسألني أن أساعد "روس" الذي ينظم نشاطا لجمع التبرعات للفلسطينيين، وذهبت مع مجموعة طلبة أردنيين، لنقف مع "روس" الذي كان جزءا من مشروع لبيع المطرزات الفلسطينية، يأتي بها من الجمعيات الخيرية في القدس ويبيعها لحسابهم في بلاده في المهرجانات والمحاضرات. وعندما عدت عام 2004، كانت مجموعة من الأصدقاء الاسكتلنديين قد حولوا حقيبة المطرزات المتنقلة، إلى جمعية كبيرة اسمها "هديل"، لها دكان كبير في إدنبره، ويعملون بها متطوعين.

سألني روس: هل تحب تناول العشاء اليوم، حيث تدعونا "روث" التي ستنتقل إلى لندن؟. وسألته من تكون روث، فقال إنها متطوعة معهم في الجمعية، وأنه استأذنها أن أحضر معهم. فرحبت بالفكرة متخيلا دورثي سيدة في الخمسينيات من عمرها.

في الطريق للعشاء مع روس وزوجته، قال إنه سيمر لسكن الطلاب، لاصطحاب آمال، الطالبة الفلسطينية، لمشاركتنا العشاء. عندما جاءت آمال، فاجأني أنها كفيفة، وهو أمر لم يذكره روس في الطريق، وكانت تكمل الماجستير في موضوع يتعلق بالإرث في الإسلام، وبعد تعرفي إليها في السيارة، بادرت للقول إن "روس" وعائلته، تقدم لها كل رعاية، لدرجة أنّ روس لا يتركها تستخدم المواصلات تقريبا، فيوصلها بسيارته حيث تشاء.

عندما فتح الباب في الطابق الثالث، حيث شقة دورثي، فتحت صبية حافية القدمين الباب، اعتقدت أنها ابنة دورثي. ولكن عندما جلسنا إلى الطاولة في المطبخ الضيق، فوجئت أن الفتاة هي دروثي، وعمرها 25 عاما، وكانت تعمل في مطعم بعض الأيام كل أسبوع لتأمين نفقات دراساتها، وتتطوع في جمعية "هديل" يومين للمساعدة، والآن أنهت دراستها وتعود لبيت أسرتها.

كان الجالسون إلى الطاولة أنا والفتاة الفلسطينية، وروس وزوجته (مربية الحضانة)، وقسيس اسكتلندي وزوجته عاشا في القدس 10 سنوات، وآخرين، وكان الطعام نباتيا، وكنا خليطا من البشر في العشرينيات والثلاثينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات من عمرنا والضحكات لا تنقطع، وفلسطين حاضرة دائما.

مثل هؤلاء البشر علّموني - دون أن يعظوني أو يتظاهروا بشيء- أنّ الشعوب تختلف عن حكوماتها، وأنّ الفكرة الإنسانية والتآزر الإنساني موجودان عند البشر باختلاف أديانهم وثقافاتهم وأنماط حياتهم فنحن في البدء وفي النهاية نعود لآدم، وآدم من تراب. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مع الودّ والتقدير (ج. ف.)

    الاثنين 22 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    عشاءات دافئة، ومقال دافىء وجميل ايضا، دون تنظير يمكن لسرد هذه القصص ان يقول كل شيء عن العالم الذي تريد الأصوليات والعصبيات طمسه واستبداله بجحيم الصراع الأخروي بين الأمم والأديان. نعم ثمّة اسكتلنديون رائعون يكنون تأييدا لقضية الفلسطينيين يمارسونه بتواضع وعملية دون ادعاء ، واعرف مثل هؤلاء من فرنسا وايطاليا والولايات المتحدّة. ان صديقة ايطالية فقدت عينها في الانتفاضة الأولى استضافتنا ليلتين في بيتهافي نابولي اثناء مهرجان تضامني مع فلسطين كانت من منظميه وقد تزوجهاخطيبها بعد الحادثة.
    كل الشكر والتقدير لك يا أستاذ أحمد على هذه المقال الجميل
  • »مع الودّ والتقدير (ج. ف.)

    الاثنين 22 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    عشاءات دافئة، ومقال دافىء وجميل ايضا، دون تنظير يمكن لسرد هذه القصص ان يقول كل شيء عن العالم الذي تريد الأصوليات والعصبيات طمسه واستبداله بجحيم الصراع الأخروي بين الأمم والأديان. نعم ثمّة اسكتلنديون رائعون يكنون تأييدا لقضية الفلسطينيين يمارسونه بتواضع وعملية دون ادعاء ، واعرف مثل هؤلاء من فرنسا وايطاليا والولايات المتحدّة. ان صديقة ايطالية فقدت عينها في الانتفاضة الأولى استضافتنا ليلتين في بيتهافي نابولي اثناء مهرجان تضامني مع فلسطين كانت من منظميه وقد تزوجهاخطيبها بعد الحادثة.
    كل الشكر والتقدير لك يا أستاذ أحمد على هذه المقال الجميل
  • »رائع ما صبحنا به قلمك (Bailasan)

    الاثنين 22 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    رائع هذا المقال وشكرا جزيلا لك على مشاركتنا هذه التجربة الجميلة، عندما ألتقي بأناس كهؤلاء أدرك تماما بأن فلسطين وقضيتها أكبر بكثير مما تقزمها به تناحرت الفصائل وانقساماتها.
    وبأنها قضية إنسانية قبل كونها أي شيء آخر، وإن كان هذا لا ينفي عروبتها وإسلاميتها.
    تحياتي لك ولكل هؤلاء الذين ذكرت.