زليخة أبوريشة

بيروت ... يا بيروت

تم نشره في الثلاثاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

لم تكن بيروت لتمتلك هذه القدرة الفتية على التجّدد لو لم تكن طوال تاريخها مدينةً جاذبة لأحرار العرب وأهل الإبداع. فهي - برغم مآسيها - سرعان ما تخلع سيفَها وتُرسَها لتتفرّغ للحياة, وها هي ذي تُمسك حتى بالموج فلا ينزلق عن إرادتها الجبارة، ولا من بين يدي مقدرتها الخلاقة. وإذا ما كانت المدائن أفكاراً تحتطب في ليل أحلامها الوردية مثل الناس، فإنها أيضاً صورٌ مُضَخّمَةٌ للعجز أو للقدرة.. لِيباسِ الروح أو لترفِ المعنى. وخاصية بيروت أنها فكرة جميلة ومجاز مُفحِم.

عندما تدسُّ بيروت قدمَها في البحر يكون رأسُها الأخضرُ يتلفّعُ بغيم صنّين، أي بأكثر التفصيلات استثناءً.. أي بالرذاد الطريّ للاستعارات التي تقوم مقام الزُّهد ومقام الغِنى أحياناً. وعندما تدس بيروت يدَها في الأرض، فإن أكثر الأفكار بهاءً تصعد من باطنها كما لو كانت براكينَ مسالمةً تُغرِق ولا تحرِق. فهي بيروت إذن، أكثر مدن الأرض قدرة على القيام من تحت الأنقاض، وأكثرها خرقاً للمعتاد. وهي في كل ذلك، لم تكن عاجزة عن رؤية مصيرها، وإن كانت عاجزةً عن رده.

وفي بيروت يتفاعل الخيرُ في أجمل تجلياته: الفن والمعرفة, مع الشر في أحد أبشع وجوهه: الاقتتال الطائفيّ.. وفي بيروت يتعايش التقدم مع التخلف كإخوة في الرهان. ولكنه رهانٌ ينبغي أن يُحسم.. ولا يُحسم. فما دامت الخيوط التي تشدّ وترخي في مكان ما هناك، خلفَ أكمةٍ أو خلفَ بحر، فستظلُ بيروت تعيش على حافة ذاتها، كأكثر المدائن استقلالاً وأكثرها تبعية. ستظل تعيش أشواقها للحريّة والاستقلال الذي لم تحظ به بعد. وستظل بيروت رمزاً للحياة التي تتعثر أو تحترق، ثم تنهض من رمادها كطائر الفينيق.

وبهذا المعنى قدّم الرحابنةُ قبل يومين مسرحيتَهم الغنائيةَ "عودة الفينيق" - على مسرح كازينو لبنان - بأداءٍ راقٍ ونصٍّ مُحْكَمٍ وإخراجٍ بديعٍ لا يقلّ بحالٍ عن أهم وأخطر المسارح في العالم.. فالتجبّرُ والتآمُرُ والعدوانُ الخارجيُّ والوهنُ الداخلي والتحالفات العمياء والتوقُ البصيرُ للحرية, كلها كانت عناصر ذلك العمل الدرامي الجميل الذي قدّمه أسامة الرحباني؛ موسيقى وإنتاجاً, ومنصور الرحباني؛ مسرحةً وتأليفاً، ومروان الرحباني؛ إخراجاً، وغسان صليبا؛ تمثيلاً وغناءً، وانطوان كرباج؛ تمثيلاً، وهبة طوجي (الموهبة المكتشفة)؛ غناء وتمثيلاً.

لقد طوّر الرحابنةُ أدواتِهم ورؤاهم الجمالية، فأوجدوا على المسرح حياةً، وأفكاراً، ولوحاتٍ فاتنةً موسيقية وراقصة، ووظفوا الإضاءة وحركة الحلم في عمل من أكثر الأعمال المسرحية إمتاعاً للعين وللأذن وللروح.

هذه هي بيروت: الإبداع الذي يَنُبُت من شقوق صخر الواقع، والتجدد الذي لا تخفى عليها مغامرته. بيروت الكتاب الذي يُقرأ، والفكر الذي ينطح بمثابرته حتى الحديد.. بيروت المعرفة الحرة، والمشروع المؤجّل. بيروت فيروز وماجدة الرومي وبول غراجوسيان ونضال الأشقر وروجيه عساف. بيروت سعيد عقل وأدونيس والماغوط وعمر أبوريشة, ونزار قباني. بيروت حنان الشيخ وهدى بركات وعناية جابر وبول شاوول. بيروت معرض الكتاب, والهورس شو, ومسرح المدينة, وشارع الحمرا والبريستول والجامعة الأميركية. بيروت البحر، بيروت الجبل.

بيروت كافيه دوباريس وعصام العبدالله وشوقي بزيع ومنى السعودي وبشار زرقان. بيروت علويّة صُبح، وحلويات الحلاب والقساطلي، وهدى نعماني وهدى ميقاتي، ودار الآداب، ودار الساقي، والروشة، وعلي حرب...

بيروت... يا بيروت!!

zulayka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يا حبيبتنا بيروت دخلك لا تحزني (محمد الرواشده)

    الثلاثاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    تظل بيروت في الذاكرة فهي اسا الزمان و المكان و هي روعة الماضي و اناقة الحاضر .
    و نحن نتلمس لبيروت فرجا دائما و قريبا نتمنى على اهلها ان يرحموها و الا يدمروا جماليتها و رونقها و حسها العالي .
    بيروت جميلة لها حبها و انتماءها
  • »جونية عاصمة لبنان (د. عبدالله عقروق .فلوريدا)

    الثلاثاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    لولا حزب الله ، والمقاومة لكان جنوب لبنان بأيدي اسرائيل ..وربما أحرقت بيروت لتنمو جونية عاصمة ومرفأ كبيرا
    كأن عليك يا سيدتي أن تذكري بأن القائد الملهم حسن نصرالله هو الذي ابقى بيروت عاصمة لبنان
  • »بيروت الحصار والاحتلال والتحرير (د. هاني عبد الحميد)

    الثلاثاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    هكذا كانت فلسطين بعيون الجيل الذي سبقنا من اجمل بقاع الارض سلما ووداعة لكن تجار الحروب خططوا لغير ذلك فاذا بنا امام لوحة فسيفسائية تمتلئ بعشرات المخيمات والملايين من اللاجئين والخطيئة انهم عرب فلسطينيون ولم تكن بيروت غير عين العاصفة في معظم الاحداث التي اراد لها الله ان تكون ومنذ اكثر من ستة عقود خلت وفي نظرة سريعة الى مجمل الاحداث على الساحل الشرقي للمتوسط منذ ايام الاسكندر الكبير على الاقل تبدو الحقيقة ساطعة كالشمس ان الاحتلال لا يدوم وان ارادة الشعوب التي هي من ارادة الله هي السائدة مهما بشر الواقع المرير بغير ذلك فان دولة الباغي ساعة ودولة الحق الى قيام الساعة
  • »حلو (sand albana)

    الثلاثاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    مقالة حلوة
    لبيروت الجميلة تسلم ايدك يا ست زليخة
  • »الشكر لك.. (محمود العزامي)

    الثلاثاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    تعاني المدن العربية من تناقضات كثيرة،تلظم إيقاع الحياة في النهاية فيها،لكن أن يتم التنوير عن المشاهدات والإيحاءات بهذا الحجم وتغطية أكوام التفاصيل بتعداد الأسماء والأماكن والرموز،فهي سابقة غير محمودة في الكتابة أشكر الكاتبة جزيل الشكر.