مؤسسات أقوى لفرض حقوق الإنسان

تم نشره في الأحد 7 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

قبل ستين عاماً، تبنت منظمة الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: الإعلان الدولي الأول للكرامة المتأصلة والحقوق المتساوية لكل البشر. وحتى يومنا هذا ما زال الإعلان العالمي يشكل المرجع الأوحد الأكثر أهمية في المناقشات الدائرة حول القيم الأخلاقية فيما يتصل بالانقسامات الوطنية، والإيديولوجية، والثقافية.

بيد أن الرؤية المستنيرة التي طرحها هذا الإعلان للحرية الفردية، والحماية الاجتماعية، والفرصة الاقتصادية، والواجب نحو المجتمع لم تتحقق حتى الآن. ومن المفجع أن عمليات الإبادة الجماعية عادت إلى الظهور من جديد، وهذه المرة في السودان. منذ وقوع الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2001 خرجت إلى الوجود أجندة أمنية مشددة تتضمن محاولات إضفاء الشرعية على استخدام مبدأ "التسليم الاستثنائي" (التحرك بين البلدان التي ينتمي إليها السجناء والمشتبه بهم دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، هذا فضلاً عن التعذيب).

وبالنسبة للنساء في مختلف أنحاء العالم فإن العنف المنزلي والتمييز في العمل يشكلان واقعاً يومياً. وتعاني الأقليات من وصمات العار والمعاملة المهينة والتمييز والعنف، سواء في البلدان المتقدمة أو النامية. هذا فضلاً عن حرمان الملايين من الناس من حقهم في الحصول على المعلومات بسبب الرقابة والترهيب الإعلامي.

ويشكل الفقر، العار الأكبر في التاريخ. فهناك ما لا يقل عن بليون من البشر يعيشون في فقر مدقع، أي حوالي 20 بالمئة من تعداد البشر، ويحرمون يومياً من حقوقهم الأساسية في الحصول على الطعام الكافي والمياه النظيفة. وما دام هذا التفاوت الجسيم بين الأغنياء والفقراء مستمراً، فلا نستطيع أن نزعم أننا قد أحرزنا القدر الكافي من التقدم نحو تحقيق الطموحات التي وضعها العالم نصب عينيه منذ ستين عاماً.

وإذ نحتفل بهذه الذكرى السنوية، فإن السؤال المطروح الآن هو: كيف نحمي الكرامة الفطرية المتأصلة والحقوق المتساوية لكافة البشر. يكمن الجزء الرئيسي من الإجابة عن هذا السؤال في المزيد من الأنظمة الفعّالة للمساءلة، حتى يتم الاعتراف بالحقوق وفرض القانون. ولكن إذا ألقينا نظرة فاحصة متأنية على ما تم إنجازه خلال مدى العقود الستة الماضية، وعلى كل ما لم نتمكن من تحقيقه رغم كل الجهود المبذولة، فلسوف يتبين لنا بوضوح أن ما أنجِز لم يكن كافياً.

إن أشد التحديات تعقيداً، التي تتمثل في التمييز والاضطهاد والظلم والجهل والاستغلال والفقر، لن يتسنى لنا علاجها بالقانون والسياسات فحسب. وإذا كنا راغبين في تحويل الإصلاح إلى عملية مستدامة وضمان حماية حقوق الإنسان، فنحن في حاجة إلى مؤسسات حكم فعّالة.

إن المؤسسات سيئة التجهيز أو المؤسسات الفاسدة، تشكل عقبة أساسية في وجه الجهود المبذولة لتوفير الحماية الفعّالة وتعزيز حقوق الإنسان. وأثناء الأعوام الأخيرة استثمرت الحكومات والشركات التجارية والجهات الخيرية الخاصة المليارات من الدولارات في مكافحة الفقر في البلدان الفقيرة. وقد استفاد من هذه الجهود الملايين من البشر. بيد أن المشاركين في هذه الجهود أدركوا أنه في غياب القدرات المؤسسية المحسنة (على سبيل المثال، الأنظمة الصحية المحلية والوطنية التي تتمتع بالموارد الكافية وتتسم بالكفاءة) فإن إحراز أي قدر من التقدم سوف يكون محدوداً للغاية.

وبالمثل، أصبح آلاف الملايين من البشر اليوم غير قادرين على الحصول على حقوقهم القانونية أو حمايتها، وذلك لأن أجهزة فرض القانون والأجهزة القضائية تعاني من الفقر أو تفتقر إلى الاستقامة والنزاهة. ولا شك أن تغيير هذا الواقع سوف يتطلب استثمارات ضخمة في تحسين أحوال المحاكم، والمسؤولين القضائيين، وأجهزة الشرطة، وأنظمة السجون، ووزارات الشؤون الاجتماعية، والبرلمانات، فضلاً عن الاستثمار في مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية، وغيرها من هيئات الرصد والمراقبة الرسمية.

لا شيء في هذه المناسبة أشد أهمية من حث قادتنا على إدراك حجم المهمة والالتزام بالعمل الدؤوب لبناء القدرات المؤسسية اللازمة لحماية حقوق الإنسان، بداية من البلدان التي ينتمون إليها. وبينما يتسابق زعماء العالم على إيجاد الحلول للأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، فقد يبدو من غير المنطقي أو الواقعي أن ندعو إلى استثمارات ضخمة وطويلة الأمد من هذا النوع.

ولكن رغم أهمية استقرار النظام المالي العالمي، إلا أن تحقيق هذه الغاية لن يحل التحديات الأوسع نطاقاً والمتصلة بالحكم. إذ أن حقوق الإنسان لن تترسخ في غياب المؤسسات الفعّالة. وما دامت المحاكم وأجهزة الشرطة فاسدة ومثقلة بالأعباء وتفتقر إلى الكفاءة، فلسوف تُـنتَهَك الحقوق المدنية. وما دامت وزارات الشؤون الاجتماعية تعاني من الافتقار إلى الموارد والحرمان من القدرة على العمل أو نقص الموظفين المؤهلين الأكفاء، فإن الحقوق الأساسية في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة والتعليم والسكن سوف تظل حبراً على ورق.

حتى الولايات المتحدة، وهي أغنى بلدان العالم، تناضل من أجل تطبيق الإصلاحات المطلوبة بشدة في بعض أهم مؤسساتها الاجتماعية، بما في ذلك أنظمة الصحة والتعليم. ولنتخيل معاً مدى صعوبة هذه التحديات بالنسبة لبلدان العالم النامية. إن إحراز التقدم في هذا السياق يشكل اختباراً عظيماً للنضوج السياسي، ولكنه يشكل عنصراً أساسياً إن كنا راغبين في تحويل حقوق الإنسان إلى واقع يعيشه كل البشر.

على مدار العام الماضي، وباعتبارنا من أعضاء مؤسسة Elders (الشيوخ) ـ وهي مجموعة من الزعماء تشكلت بإلهام من نلسون مانديلا ـ كنا نعمل مع مجموعة من المنظمات الشريكة لبث رسالة حقوق الإنسان إلى العالم من خلال حملة "كل إنسان له حقوق". وبفضل هذا الجهد الجماعي أصبح بوسع عشرات الآلاف من الأفراد، والملايين غيرهم، عبر العمل في المدارس، والجمعيات المحلية، والنقابات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، أن يتعرفوا من جديد، أو لأول مرة، على أهداف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وهذا مما يدعو إلى الأمل.

إن جيلنا يتمتع بأدوات أفضل للاتصال والمطالبة بالعدالة، مقارنة بما استعان به أي جيل سابق من الأدوات في هذا السياق. ولدينا أهداف عالمية ومصائر مشتركة تربط بيننا. وما نحتاج إليه الآن هو الزعامة، والموارد، وقدر أعظم من الإحساس بإلحاح التحديات التي تواجهنا، والالتزام بعيد الأمد بالجهود التي لا بد وأن تكرّس، ليس فقط لضمان الاعتراف العالمي بالحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي، بل واحترامها أيضاً.

ماري روبنسون هي رئيسة أيرلندا السابقة والمفوضة السامية لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة سابقاً؛ وديزموند توتو هو كبير أساقفة كيب تاون الفخري وحائز على جائزة نوبل للسلام.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة بروجيكت سنديكيت.

التعليق