عيد الأضحى: الدين حرية وانعتاق

تم نشره في الاثنين 1 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

يمثل عيد الأضحى حلقة في تواصل الدين تمر بالنبي إبراهيم وتختم بالنبي محمد، وهي حلقة الدين المرتبطة بالشعوب والحضارات الآرامية.

فقد مرت المنطقة بمرحلة من التحولات المناخية والبيئية، فقد عصفت بالمنطقة تحولات جعلتها صحراء قاحلة ذهبت بمعظم المنجزات الحضارية والزراعية التي كانت قائمة إلا ما تبقى منها في جنوب الجزيرة وفي واحات منتشرة في قلبها، ولعل لذلك علاقة بقصة الأنبياء والشعوب والحضارات السابقة لمرحلة التحضر، وهي عاد وثمود والذين كانت لهم مدن وحضارة لم يعد يعرف عنها الكثير، ولعلها دفنت في قلب الصحراء، واستعادت الشعوب الآرامية المتبقية حضارة جديدة نشأت في "الهلال الخصيب وعلى أطراف الجزيرة"، وهي منظومة الشعوب الآرامية من الآشوريين والبابليين والسومريين والأكاديين والسريان والفينيقيين والكنعانيين، ومنها أيضا مجموعة هاجرت إلى مصر "الهكسوس"، واستطاعت لفترة من الزمن أن تسيطر على شمالها ومنتصفها مستخدمة الخيول التي ظهرت كقوة حاسمة لم تعرف من قبل في مصر.

وعندما جاء النبي يوسف إلى مصر كان الهكسوس يحكمونها، وقد لقي النبي إبراهيم من قبل ملك مصر، وأهداه "هاجر" وهي أميرة مصرية، وكان نظام الإهداء متبعا، وهو مختلف عن الرق والعبودية، ولكنه من تقاليد العلاقات في طبقات الملوك والأمراء، وظل متبعا في الصين حتى العصور الحديثة، وفي هذا إشارة (ربما) إلى أن إبراهيم كان من طبقة نبيلة ومؤثرة، وكان هذا حال معظم جميع الأنبياء والرسل.

في هذه المرحلة جاء إبراهيم، وربما كان الدين الذي أسس له أهم حدث في تاريخ العالم، فقد كان في الحقيقة ثورة اجتماعية وسياسية لأجل الحرية والانعتاق والمساواة. فالتقدم الإنساني قائم في حقيقته على المساواة، وكلما اقتربت من كمال المساواة زاد التقدم، وكلما حصلت على الحرية والانعتاق زاد السمو والمعرفة، وقبل الدين كانت الآلهة وأبناؤها يحتكرون المعرفة والحكم والسمو. وكان يجب تقديم الأبناء قرابين لها لعلها ترضى وتمنحنا المطر، ولعل الملك ابنها يعفو عنا ويسامحنا ويقبل منا الضرائب والعمل والعبودية سخرة ومجانا لأجل أن يهدأ عضبه الذي يغضب الآلهة، فترسل علينا الصواعق من السماء.

ثم حرر الدين الناس، واكتشفنا أننا يمكن أن نعبد الله ونصلي له، بلا حاجة لعبادة الملوك وأبناء الآلهة، وصارت جريمة كبرى صب الرصاص الذائب في آذان الذين يتلون الكتاب المقدس ويتعلمونه بعيدا عن أبناء الآلهة، وافتدي اسماعيل من الذبح مفتديا بذلك جميع الناس من هذا المصير الظالم البشع، وباختتام النبوة والوحي فقد أطلق الدين العقل الإنساني ليبحث ويفكر ويصلي بلا وساطة الأنبياء، وكانت العلمانية العقلانية منتجا دينيا إسلاميا التقطه المسيحيون أكثر من المسلمين، لقد غير ابن رشد العالم أو كاد على حد تعبير أمبرتكو إيكو على لسان أحد أبطال روايته "اسم الوردة".

الحكمة الحقيقية للدين هي التحرر والمساواة، وإذا شاب التدين بفعل محاولات الاختراق والسيطرة من الاستكبار فذلك ليس من الدين، وأول ما يجب أن يسأل المتدين نفسه وهو يستحضر معاني عيد الأضحى والفداء والعطاء (وهي مشتركة في جميع الأديان السماوية الثلاث، ولعلها مستمدة من مصدر واحد يعود إلى إبراهيم) هو التحرر من الخوف بكل أشكاله، فلا يجتمع الدين والخوف أبدا، سواء كان هذا الخوف من الحكومات أو المجهول او الجن والغول..الخ.

التحرر من الخوف يعيد صياغة رؤية الحياة وإعمار الأرض والعبادات والعلاقات الاسرية والاجتماعية والتعليم والإعلام وقانون الموازنة والامتحانات المدرسية والنشرة الجوية والمباريات الرياضية،.. ويطلق العقل والخيال والمبادرة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أحترم دين الأخرين ليحترموا دينك (د. عبدالله عقروق .فلوريدا)

    الاثنين 1 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    يجب على الفرد أن يحترم دينه أولا ثم يحترم ديانات الأخربن حتى تفرض عليهم أن يحترموا دينك.
    \وبهذه المعادلة البسيطة تضمن ان يعيش البشر في بلد واحد بدياناتهم المختلفة بسلام ووئام حتى نثبت ان الدين هو معاملة واحترام دين غيرك .
  • »رائع (احمد طالب مسامرة)

    الاثنين 1 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    اخي العزيز ابراهيم

    رائع رائع.....رائع، معظم الاوقات تقرأ افكاري .