د.باسم الطويسي

حل الكيانات الثلاثة في فلسطين

تم نشره في الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

الكثير من حركات التحرر الوطني عبر تاريخ الاستعمار والمقاومة تعرضت لانشقاقات داخلية، وشهدت صراعات عاصفة،  لكن لم يحدث بشكل أو بآخر أن تتسابق الحركات المتناحرة في إذلال شعبها بالتجويع أو التركيع السياسي في سبيل السلطة أو الايدولوجيا كما يحدث في هذا الوقت بين غزة ورام الله. فالأحوال الإنسانية القاسية في غزة هي سياسة مكثفة  تمارسها الإطراف الثلاثة حماس والسلطة وإسرائيل، في واحد من أقسى نماذج الاستثمار السياسي في الأحوال الإنسانية لجماعة بشرية؛ ما جعل من غزة أسوأ مكان للعيش في العالم على الإطلاق.

الحقائق على الأرض لا تفسرها النوايا المعلنة ولا تفسرها أيضا الإرادات التي تبدو في التعبيرات الصراعية، بل الأفعال في نهاية المطاف هي التي تصنع التاريخ، وهو ما يشير إلى ان فلسطين التاريخية تسير نحو  تجسيد الواقع المشوه الحالي كحل دائم؛ ثلاثة كيانات تتعايش معا، وفق قوانين التهدئة طويلة المدى اسرئيل لن تعود لاحتلال غزة، وغزة ستبقى الكيان ما دون الكيان السياسي غير قابلة للقسمة أو الجمع مع احد، بينما سيكون لهذا الكيان وظيفة تذكر العالم دائم بالمصير الذي جلبته حماس وأمثالها من حركات سياسية على المستوى الإنساني لشعب تحت حصار واحتلال  لا يتحمل المسؤولية الإنسانية  وهي حالة شبه نادرة في تاريخ الاحتلالات، بينما ستزداد حدة الانقسام في الرأي في العالمين العربي والإسلامي بين نبل فكرة المقاومة من جهة وبين بؤس الوقائع الإنسانية وإذلالها التي عكسها نموذج غزة.   

ويستمر الكيان الهلامي الثالث في رام الله في تلقي ترياق الحياة من الخارج ويمارس وظيفة مزدوجة لعبة التوازن بين حدي الكيانين الآخرين، ومد العالم بطاقة شعورية كاذبة بأن عملية السلام مستمرة وبأن ثمة مستقبلا للتسوية تقوده الإرادات المعلنة وليس الأفعال المناقضة على الأرض.

وعلى هذا الطريق لجأت السلطة الوطنية الفلسطينية لتمثل هذه الوظيفة في مفارقة غير قابلة للتفسير من القراءة الأولى، والمتمثلة في نشر إعلانات مدفوعة الأجر في الصحف الإسرائيلية وبعض الصحف العربية  تروج من خلالها لمبادرة السلام العربية، وهي المرة الأولى التي يلجأ فيها طرف عربي لاستخدام الإعلانات التجارية لخدمة مشروع سياسي يتعلق بالصراع مع إسرائيل وفي مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي مباشرة.

قد تبدو الحملة "الإعلانية" للبعض مبررة؛ بأنها محاولة للدخول على خط الصراع السياسي داخل اسرائيل التي تنتظر انتخابات ساخنة وتسوق على أنها حاسمة، ومبررة أيضا لأنها موجهة لمجتمع تحكمه قيم تتأثر بهذا النمط من الدعاية، وعلى كل الأحوال ووفق كل المبررات فإن هذه الحملة لا تخدم في الحقيقة إلا الوظيفة التي تمارسها السلطة أي الرمزية الزائفة لاستمرار مشروع التسوية، بغض النظر عن مبررات أخرى تتحدث عن جدوى هذه الحملة، وهل كان من الأجدى ان تذهب نفقاتها للجوعى في غزة أو بأضعف الإيمان لرواتب بيروقراطية السلطة.

العتمة التي تنام عليها غزة بين وقت وآخر لن تضيء الطريق لا لتسوية قادمة ولا لوضع شروط جديدة للعبة الصراع الهادئ بين الأطراف الثالثة، بل أضاءت الطريق أكثر  لمعرفة الحقيقة؛ التي تتلخص في تدمير فكرة الدولة الفلسطينية في الأذهان وعلى الأرض واليوم قبل الغد، عبر رؤية مركزية تقوم على تدمير مقومات البنى التحتية والمراكز الحيوية في المدن الفلسطينية كل بضع سنوات واستمرار الحصار والتجويع والإفقار واستمرار الانقسام ومده كل بضعة أشهر بأسباب جديدة، بل وإعادة هيكلة الحياة في الإقليمين الفلسطينيين لتثبيت هذه الكيانية وبشكل خطير وحساس بات يمتد إلى العمق الاجتماعي، الواقع الذي يعني بكل بساطة انتحار فكرة الدولة على الأرض، وصعود كيانين هما اقل من الكيانات السياسية ومسخ من فكرة الكيان ما دون الدولة ، تعمل إسرائيل على إدارتهما بالصراع وبالقوة أحيانا وفي الأغلب بالتعايش.

هذه الصورة المعتمة التي تقرأ على ضوء العتمة المخيمة فوق غزة وهي حالة مرشحة للاستمرار لعشر سنوات مقبلة، إنها استراتيجية الحل بشراء التاريخ على الطريقة الاسرائيلية.

basim.tweissi@algjad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حل واقعي (Musa Nawafleh)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    الحل يكمن في حل حل هذه الكينونات لانها أصبحت عبئا ثقيلا على الشعب الفلسطيني، وايجاد بديل يختاره الشعب الفلسطيني.
  • »تبادل السفارات بين غزة ورام الله (كريم سلامة)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    بكل الاسف ما وصفه الكاتب هو ما يحدث ألآن في فلسطين ومرة ثانية وثالثة سوف تجد اسرائيل من المررات لاقناع العالم بأنها هي من يريد السلام وان خصومها غير ناضجين لهذه المهمة ، وكماقال الكاتب فأن صيغة الصراع بين الفصائل تسهر على استمرارها اسرائيل وتعمل على ادارتها وتوقعوا بعد حين ان نجد سفلرة فلسطينية في غزة وسفارة غزية في رام الله وان هذا سيكون اسهل من توحيد الاخوة ، وحتى لوارادوا ان يتحدوا سيجدوا ان ذلك اصعب مما يتصور العامة والناس في الخارج، ما يحدث خطير جدا ليس على مستوى الصراع مع اسرائيل بل المشكلة في الداخل .