حال العرب بعيون أوروبية

تم نشره في الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

ثمة اختلاف جذري بين صناعة السياسة الأميركية والأوروبية تجاه العالم العربي. ففي حين تصاغ السياسة الخارجية الأميركية في سياقات دينامية تتنوع أدواتها وتتسم دوماً بقصر المدى الزمني المستهدف لتطبيق الاستراتيجيات والخطط المختلفة، تصنع السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط إن على المستوى الفردي (الدول) أو الجماعي (الاتحاد) انطلاقاً من إدراك اقتصار أدوات التنفيذ المتاحة على مفردات الدبلوماسية الناعمة - العلاقات التجارية والمساعدات الاقتصادية والحوارات الثنائية والمتعددة الأطراف - وفي ظل فهم تدريجي لعامل الزمن تتعدد مستوياته لتقرب استراتيجيات المدى الطويل لذهنية صناع القرار وتجعل منها بدائل سياسات فعلية قابلة للتنفيذ والاختبار والتصحيح.

تدفع ثنائية الأدوات المحدودة-العمق الزمني الأوروبيين إلى مقاربات شديدة التفصيلية ومواقف هادئة إزاء قضايا المجتمعات العربية. ففي مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي، تجاوز الأوروبيون تأرجح السنوات الماضية، تارة بالدفع بمقولات عدم قابلية المجتمعات العربية للديمقراطية وتارة بتوقع أن يرتب استمرار عمليات التطور الاقتصادي والاجتماعي تبلور انفراجات بالحياة السياسية تضع العرب على مشارف لحظة التحول الديمقراطي، وأضحت مقاربتهم الراهنة تفسر الإخفاق العربي في إنجاز نقلات حقيقية على مستويي تداول السلطة والحد من طغيان السلطة التنفيذية في مواجهة المؤسسات التشريعية والقضائية بمحدودية إرادة الإصلاح لدى نخب الحكم وانخفاض كلفة الإدارة السلطوية وشبه السلطوية لترابطات الدولة والمجتمع وسطوة الأجهزة الأمنية وضعف المعارضات وتطاحنها وهشاشة المطلبية الديمقراطية لدى المواطنين. ثم يميز الأوروبيون فيما دون هذا الإطار العام بواقعية بين حالات كالكويت والمغرب تتسم حياتها السياسية باستقرار آليات المنافسة والتصاعد التدريجي لأدوار المؤسسات التشريعية والقضائية وتتراجع بها إلى حد بعيد انتهاكات حقوق الإنسان وبين تلك النماذج الحاضرة إن في مصر والأردن وبكليهما تدار المنافسة السياسية المقيدة وفقاً لمتوالية حكومية من القمع الأمني-الاسترخاء النسبي أو تلك التي تغيب عنها بالمطلق المنافسة العلنية (والمنظمة) وتهيمن نخبها على حياة سياسية تختزل إلى نشاط أحادي يفتقد المعنى والمضمون كما تدلل حالة حكم البعث بسورية وكذلك الاتحاد الدستوري بتونس.

المهم هنا أن المفوضية الأوروبية ووزارات الخارجية الرئيسية بلندن وباريس وبرلين تتوافق اليوم على أن الحصيلة السياسية الرئيسية لمثل هذه المقاربة هي المحدودية الفعلية لفرص الدعم الخارجي للإصلاح الديمقراطي عربياً. بيد أن التوافق الأوروبي الجديد لا يعني غض الطرف عن مجمل التطورات السياسية بالمجتمعات العربية الأخرى، بل التركيز في إطار سياسات الجوار والشراكة الأورو-متوسطية والحوار الأوروبي-الخليجي على قضايا الحكم الرشيد كمكافحة الفساد وتحديث المؤسسات العامة ودعم المنظمات غير الحكومية وأوضاع حقوق الإنسان وترك مسألة التحول الديمقراطي ونقلاته النوعية للديناميات الداخلية وصيرورة تطورها دونما سعي للهندسة السياسية من الخارج.

أما في مجالات التحول الاقتصادي-الاجتماعي وفرص التنمية فيبدو الأوروبيون شديدي الاهتمام بمحاولة فهم التطورات المحتملة للأزمات المعيشية الطاحنة التي تعاني منها العديد من المجتمعات العربية محدودة الموارد مرتفعة الكثافة السكانية. باستثناء بعض الحالات الخليجية، تعاني البلدان العربية من اختلالات اقتصادية واجتماعية طاحنة أبرزها الفقر والبطالة والهجرة غير الشرعية وانهيار مستويات الخدمات الأساسية المقدمة في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة وتهافت شبكات الضمان الاجتماعي. في هذا السياق، عمقت السياسات النيوليبرالية التي اتبعتها معظم النخب الحاكمة منذ التسعينيات وعلى نحو تصاعدي خلال الأعوام القليلة الماضية (ومع أنها رتبت بعض التحسن في معدلات النمو الاقتصادي العام) من هذه الاختلالات ودفعت بالقطاعات الشعبية الفقيرة ومحدودة الدخل نحو لحظة تأزم حقيقية. خشية دول الاتحاد الأوروبي من تفاقم أزمات البطالة والفقر بالعالم العربي وتداعياتها السلبية على قضية الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا وغيرها من الملفات الأمنية المهمة تدفع الأوروبيين للبحث عن تطوير مبادرات تعاون ومشاريع استثمارية مشتركة لمساعدة المجتمعات المأزومة والتركيز في الحوارات الثنائية والمتعددة الأطراف مع العرب على مركزية الأبعاد الاجتماعية لاقتصاديات السوق وعدالة الحد الأدنى.

على الرغم من محدودية أدوات دول الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط مقارنة بالأوراق الأميركية، إلا أن توازن مقاربتهم متواكباً مع التعثر الراهن لسياسات القوة العظمى يمكن الأوروبيين من لعب أدوار مهمة أكثر هدوءاً وأطول نفساً.

التعليق