هاني البدري

النوم في العسل

تم نشره في الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

مفيدة ردود القراء لكل كاتب مقال، فهي من جهة تكمل دائرة المرسل والرسالة والمتلقي، كما تعلمنا، بل تزيد، رجع الصدى الذي يسمعنا اصواتنا او يسمّعنا اطرابنا او نشازنا لدى الجمهور.

كنت كتبت في هذه المنطقة بالسابق، فردود الجمهور بالنسبة لي بوصلة تصحح المسار، او لنقل قنديلاً يضيء عتمة ادعائنا بالمعرفة الكاملة او الاداء الكامل.

إلا تلك الردود التي تعكس حالة من التعصب الاعمى او التطرف من بعض اصحاب المصالح او المعنيين ببعض القضايا التي نطرح او اولئك الذين يكتبون، مستفيدين من فسحة الرأي والرأي الآخر، وحرية الرأي المتاحة، وحق الرد المكفول، فتأتي ردودهم -عايمة- متحمسة، شديدة اللهجة، قليلة المعلومة كتصريحات الناطقين الرسمين لا لها لا بالرأي الآخر ولا بحرية الرأي.

اشير هنا باهتمام شديد إلى ردود فعل واصداء تأتي من قراء ومتابعين لقضايا تتعلق بالهم العام وظواهر بلدنا، فتأتي الكثير منها في العمق، صادقة، حقيقية وتعكس تفاعلاً شفافاً تعود إلينا بالفائدة بل وتثري مساحات الكتابة في المواقع الالكترونية، فنجد في بعض المرات، ان الحوار الدائر بين عدد من القراء حول جوانب مقال ما، تصبح اهم من المقال نفسه، ونجد انفسنا امام تجربة صحافية ناضجة وحقيقية..

مرة اخرى، إلا تلك الردود التي يحار المرء في تفسيرها، تلك التي تأتي لتقول مثلاً عند الحديث عن حقوق المرأة والدعوة إلى وقف ممارسة العنف عليها «مش فاهم لماذا تدعم المرأة يا فلان»، والحقيقة انني هنا كما الكثير من الزملاء الذين كتبوا عن الظاهرة (مثلاً) لم يدعموا المرأة بقدر ما دعموا تماسك المجتمع وبنيانه وتكامله.

او عندما كتبنا تحت عنوان «قصعة كوع» حول ممارسات مراكز فحص السيارات، حيث الرد حامياً متحمساً، مدفوعاً بقاعدة (انصر أَخاك..)، خالياً من المعلومة، حتى احسست انني كتبت لمصلحة منافسة او من باب غيرة او حسد.

أؤكد أنني لم اكن لأكتب حول هذه القضية لولا وثائق حقيقية ومدموغة تثبت ما قلناه عن تلاعب - مقصود او غير مقصود- في نتائج فحص السيارات.

اما مسألة «الاجتهاد»، فعند مصالح العباد وقوتهم، اعتقد ان علينا اغلاق باب الاجتهاد الذي يرفع ويخسف قيم سياراتهم، ومقدراتهم.

وثائق تتحدث عن اختلافات فنية كبيرة لا «اجتهادات»، تعرض لحجم الاختلاف في التقييم الذي لا يعكس إلا حالة واحدة: قصور في الآليات ونقص في الامكانات والكفاءات، واذا كنا نتحدث عن «امبراطورية» المتحكمين بهذه القضية فلا بد ان أذكّر صديقنا «المتحمس» ان الصالح والطالح هما معنا في كل مكان ومهنة وقطاع، لانها «إن خليت بليّت».. لكن اين الصالح من بين كل هذا، فعلى جهة ما ان تقول لنا نحن المواطنين وتحدد لنا الابيض من الاسود.

احتار في ردود بعض القراء حول بعض القضايا، وكيف يمكن لهم ان يتصدوا للرد، دون توفر المعلومة او التأكد ان ثمة وثائق نتسلح بها عندما نهم بتناول قضية تهم الناس، كما فعلنا في قضية مراكز فحص السيارات..

المهم ليس قضية (قصعة كوع) هذا ان ارتقت بنفسها لتكون قضية!!

المهم هو قضية القراءة والكتابة، لأن الاصل أن نقرأ لكي نعرف، ونحن نكتب لاننا نعرف، ولا اعتقد ان احداً يجسر على مهنة وعالم الكتابة دون ان يكون متمكناً اولاً من ادواته ومعرفته، فكيف لكاتب يحترم نفسه ويحترم زاويته وقراءه والمنبر الذي يكتب فيه.

انا شخصياً رجل اخبار قبل ان ادخل عالم كتابة المقال، ففي الاساس لا اتعامل إلا مع المعلومة والوثائق التي يمكن ان يعززها الاحساس الصحافي والرغبة الحقيقية في كشف بواطن الامور والاحداث واظهار ما يمكن ان يختبئ خلف الاسوار او بين السطور.

أنا مضطر ان اذّكر هنا بخطورة فعل القراءة الذي ان انضوى تحت احكام مسبقة ونوايا مبيتة تسعى لنبش كل كلمة بهدف التجريح والايقاع.. فإن ذلك الفعل لن يكون إلا ممارسة الفحشاء الفكرية والادبية بكل ما تعنيها العملية من معنى وبجميع العناصر المؤدية لتلك النتيجة، واما فعل الكتابة لنفس الاهداف غير الاخلاقية، فهو اسوأ وأضل سبيلاً!! لانه ببساطة شكل من اشكال الاحتلال الذي يضع يده على مساحة بيضاء ينفث فيها غاز الكره والغيرة والحسد محاولاً ان يقتل فكره او يأسر حقيقة.

والحقيقة ان فعالية نشر الوعي الحقوقي في حرية التعبير والرأي أتت أُكلها لدى العديد ممن لا يملكون منابر خاصة تستضيف افكارهم ومعتقداتهم.. وادعاءاتهم في بعض الاحيان، ما جعل الغث والسمين يدلون بدلوهم عبر كل ادوات الاتصال والاعلام المتوفرة، وما جعلنا نحن المستقبلين عرضة دائمة وجاهزة للتأثر ايجاباً او سلباً.

أقول ذلك بعد ان تحملت مسؤولية القلم الذي يعرف، والوعي الذي يفهم، والحس الذي يعلم، وبعد ان تورطت في مجموعة الغد (صناع الرأي) حسب رأيي، بعد ان مارست سنين طويلة في استسهال عمل الكاتب

- من بعيد لبعيد- واظهار قلة الاكتراث تجاه الكلمة المكتوبة باعتبار ان العمل التلفزيوني في الاخبار والبرامج اكثر خطورة واكبر مجازفة.

لذلك فإن صدمتي الاولى في مواجهة الصحافة المكتوبة بددت تلك الصورة ووضعتني امام حمل المسؤولية القلمية الكبير. وهنا لي ان أتساءل كيف لشخص آخر لا يعمل في مجال الاعلام اصلاً ولا يدرك خطورته وحساسيته ان يمتلك شجاعة الاحترام على الرد والمواجهة وكأنه جالس في مقهى او واقف على باب مشغل او محشور على احد دواوير عمان المزدحمة!!

لاشك ان الكتابة قيمة عظيمة حتى لو كانت كتابة كلمة واحدة فقط، لان تلك الكلمة جديرة ان تمنع كاتباً كبيراً ان يخطها على الورق، ولها سدة القرار في ان تحرم كاتباً مرموقاً وعظيماً من ممارسة فعل الكتابة، لذلك سأبقى احتار في اولئك المتحمسين للرد والصد، وهم في حقيقة الامر يمارسون اعلى مستويات «النوم في العسل..».

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جيزة (فاخر)

    الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    أنا شاب ثلاثيني وعندما قرأت عنوان المقال إعتقدت أنه يخص موضوع الزواج الذي أنا متلهف عليه ولكن خاب ظني وهذه عادة هاني البدري المكتوب ( مش )مبين من عنوانه! أنا معجب بكتابات هاني البدري فأقرأها مهما كان مضمونهاويا ريت كاتبنا يكتب عن أزمة الشباب العزابية بالكي الأهالي خفضوا المهور زي ما الحكومة خفضت البنزين والكاز والديزل!
  • »اصبت كبد الحقيقة (غادة شحادة)

    الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    في كثير من الاحيان اجد نفسي استشيط غضبا من بعض تعليقات القراء والتي كما تفضلت لم يقرأ الموضوع اصلا انما اكتفى بقراءة العنوان واعتبر نفسه(فطحل زمانه)وفهم المراد من المقال ونصب نفسه مدافعا او مهاجما المهم ان يتكلم,مع انه قد يكون العنوان بعيدا بعض الشئ عن لب المقالة وهذا مايثير اعجابي في الكتاب ترى العنوان فيأخذك الى مكان وعندما تقرأ المقال تجد نفسك في مكان اخر وهذا وان دل على شي فقد دل روعة كتابنا وتمكنهم من لغتهم
    ولكن بما ان الموضوع اثير اود ان اشير ان بعض الكتاب المتحيزين الى جهة معينة (وقد يكون من حقه) تراه يسن قلمه ويعمله في الجهة المعارضة بمقال مستفز حتى لو كنت حياديا فتجد نفسك مضطرا للكتابة وقد تفند رأيه بكل استطاعتك ولا يشترط النجاح المهم المحاولة وتنفيس الغضب .الشاهد ان تعليقات القراء لها مايبررها تمام كمقالات الكتاب وهما معا سبيل لرقي الاعلام والصحافة في بلادنا