تحولات الليبرالية الأميركية وسؤال الليبرالية العربية

تم نشره في الجمعة 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

هل المحافظون الجدد والجمهوريون في الولايات المتحدة ليبراليون؟ وإذا كانوا كذلك فلماذا انتقدوا باراك أوباما بوصفه بأنّه ليبرالي، ولماذا اعتبروا وصف مرشح الرئاسة الأميركية الديمقراطي، عام 2004، جون كيري بأنّه "أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي ليبرالية"، بأنّه انتقاد أقرب للشتيمة؟! كفيل بانفضاض الناس عنه.

وكيف يكون المحافظون الجدد هم ممثلو الليبرالية الجديدة (النيو- ليبرالية)، ويكون الرئيس الأميركي الجديد، هو الشخص الذي تتجه إليه الأنظار باعتباره المرشح لبدء "عصر ليبرالي جديد"؟.

مفتاح الإجابة حول الحالة الأميركية تحديدا يكمن في التمييز بين الليبرالية الثقافية الاجتماعية من جهة، وبين الليبرالية الاقتصادية من جهة ثانية، وفي الحالتين فإنّ السؤال هو: إذا كانت الليبرالية في جوهرها هي ضمان حقوق الأفراد، فما هي حدود هذه الحرية، وما دور الحكومة بشأنها؟

المحافظون الجدد، وكثير من الجمهوريين، يُعتبرون ليبراليين اقتصاديا يؤيدون الرأسمالية دون قيود، ويرون أنّ الحكومات يجب أن تتنحى اقتصاديا لصالح السوق وعوامله، ولكنهم محافظون (نسبيّا أو ظاهريّا أحيانا) دينيّا واجتماعيّا. بالمقابل فإنّ الديمقراطيين أقل حماسا للتجارة الحرة والاقتصاد الحر ولكنهم أكثر حماسا للحريّات الفردية والاجتماعية، لذا فإنّ ليبرالية الديمقراطيين وجون كيري التي "شتمها" الجمهوريون تتعلق بالحريات الشخصيّة والاجتماعيّة.

وهذا الانقسام بين ليبراليتين: اجتماعية واقتصادية، ناتج من سياق تاريخي في الولايات المتحدة، فقد وصل الأميركيون في مطلع الثمانينيات، حد الإشباع والسأم من فكرة الحريّات الشخصية المنفلتة، أو "الانحلال" الذي عبّرت عنه حركات اجتماعية، وصفت بأسماء مثل "الثورة الجنسيّة"، و"الهبيز"، و"الفوضويين"، والتي تبنت أفكارا ترفض القيود في كثير من الأمور، مثل المخدرات والعلاقات الجنسيّة، مع تبني كثير منهم لأفكار اقتصادية معادية للرأسمالية، وقريبة لليسار والشيوعية، لذلك انتخب الأميركيون مطلع الثمانينيات، الرئيس الأميركي السابق رونالد ريجان، الذي يعد الآن أحد أهم مصادر الإلهام لحركة المحافظين الجدد، والذي رفض هذه الليبرالية الاجتماعية، وتبنى في الوقت ذاته (مع مارجريت تاتشر في بريطانيا أيضا)،  تقليل الضرائب عن الشركات الكبرى، وتقليص دور الحكومة والاتجاه للخصخصة. بمعنى آخر تمثل الفلسفات "الريجانية" و"التاتشرية": ليبرالية اجتماعية أقل وليبرالية اقتصادية أكثر.

المحافظون يعتبرون زيادة الليبرالية الاجتماعية عن حد معين، هي انحلال وتدمير للأسرة والمجتمع، والليبراليون الكلاسيكيون ممن أداروا الاقتصادات الأميركية والأوروبية في الستينيات، ضمن ما يعرف بحقبة "الليبرالية الاجتماعية"، يعتبرون تقليص دور الحكومة وإطلاق يد رجال الأعمال وعوامل السوق رأسمالية (أو ليبرالية) متوحشة، وأفكارهم تلك كانت في جزء منها انعكاسا للخوف من تكرار الكساد العظيم في الولايات المتحدة في الثلاثينيات، أو حرصا على إنقاذ اقتصاد أوروبا المتهاوي بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت في جزء آخر منها سياسة دفاعية ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي، فتم تقديم الكثير من الحقوق الاقتصادية للمواطنين واتحادات العمال، تقليلا لجاذبية الشيوعية.

من هنا فإنّ الليبرالية التي قيل أنّ جون كيري يتسم بها، كانت مرادفا لفكرة "الانحلال"، أمّا الليبرالية التي يقال أنّ أوباما يتمتع بها فهي نقيض "الليبرالية المتوحشة".

عاش العالم عموما، والولايات المتحدة والغرب خصوصا، ما بين الخمسينيات حتى نهاية السبعينيات، مرحلة لبرلة اجتماعية مع ميل أقل لليبرالية الاقتصادية، (وفي وطننا العربي عشنا لبرلة اجتماعية مع ميل للفكر اليساري اقتصاديّا)، ثم من الثمانينيات حتى ما قبل أسابيع، كنّا نعيش ليبرالية اقتصادية متزايدة ومنفلتة أحيانا درجة الفوضى في الولايات المتحدة، مع ميل إلى ليبرالية أقل اجتماعيّا وأخلاقيّا. وعشنا في العالم العربي بدرجة ما ذات الشيء، بالتخلي المطرد عن اقتصاد الدولة مع نمو حركة محافظة اجتماعيّا.

أمّا الآن فيبدو أنّ هناك توقعات أنّ عهد باراك أوباما، سيكون قائما على التوازن، فرغم ليبرالية أوباما الاجتماعية أكبر مما لدى المحافظين الأميركيين فإنّه لم يصل درجة "التطرف الليبرالي الاجتماعي" ولم يعد هذا التطرف موجودا عموما في المجتمع الأميركي كما كان قبل أربعة عقود، بالمقابل يتوقع أنّ يحد أوباما من "التطرف الليبرالي الاقتصادي".

والسؤال؛ هل ندخل في العالم العربي بقدر من التوازن؟ ففي الستينيات ومطلع السبعينيات دخلنا كما أسلفت عصر "الانفتاح" و"التحرر" الاجتماعي وإلى حد ما الفكري، فيما تبنينا شعارات اقتصادية يسارية شمولية، ثم تبنت بعض الأنظمة والنخب بشكل متزايد شعارات وادعاءات ليبرالية في الاقتصاد والخصخصة حد عدم قيام الدولة بوظائفها الأساسية اتجاه حاجات المواطن أحيانا مع نمو حركات واتجاهات محافظة حد التزمت والتطرف أحيانا في مجال الحريات الاجتماعية والسياسية الفردية والشخصية، فهل نصل لدرجة من التوازن ضمن حركة ليبرالية عقلانية، يمكن أن تكون متصالحة مع الدين والمجتمع وقيمه وعاداته من دون قمع للحريات الشخصية، ومن دون ميل لاقتصاد الدولة الرعوي، أو الذهاب لأفكار يسارية قديمة.

التوازن وعدم التطرف ممكنين، بحيث لا يفقد المرء حريته الاجتماعية، والشخصية، والدينية، والاقتصادية، من دون أن يتطرف في ذلك بما يؤدي للضرر لنفسه وللآخرين، ومن دون استغلال الآخرين وخداعهم باسم الحرية والرأسمالية، ولكن تحقيق التوازن قضية صعبة، والنقطة التي يمكن القول إنّ هناك توازنا عندها أمر سيبقى خلافي، ولكن التفاوض والجدل بين أصحاب وجهات النظر المختلفة هو المدخل لتحقيق التوازن وتصحيح الخلل، والحكم سيبقى هو صناديق الاقتراع.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق