التجارة الحرة وفضائلها المنسية

تم نشره في الخميس 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

لندن- أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مؤخراً أن سياسة "دعه يعمل" القائمة على عدم التدخل في الاقتصاد من جانب الحكومة "قد انتهت". ربما، ولكن هل ينبغي لنا حقاً أن نشعر بالرضا إن كان على حق؟ وإذا كانت سياسة عدم التدخل هذه قد استنفدت الغرض منها فما الذي قد يحل محلها كأساس لمجتمع عالمي مفتوح؟

ربما كان من الجدير بنا اليوم أن نتذكر أن آخر انهيار مالي كبير شهده العالم لم يؤد إلى نشوء ما أطلِق عليه "الصفقة الجديدة" في الولايات المتحدة فحسب، بل كان أيضاً السبب في انغماس العالم في عصر مظلم جديد من القومية الاقتصادية والنـزعة الاستعمارية. إن التجارة الحرة بعيدة عن الكمال، ولكن البدائل أسوأ منها وأضل سبيلاً. فاللجوء إلى تدابير الحماية ضار بالثروة، وضار بالديمقراطية والسلام.

بيد أننا لا نستطيع استبعاد نشوء موجة جديدة من النـزوع إلى الحماية كخطر حقيقي. وجميعنا نتذكر كيف هدد باراك أوباما أثناء حملته الانتخابية بإعادة كتابة اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا من جانب واحد، وذلك في مغازلة واضحة لمشاعر النـزوع إلى الحماية المتضخمة بين الأميركيين. وفي شهر تموز (يوليو) من هذا العام كان رفض الولايات المتحدة تقليص إعاناتها الزراعية من بين الأسباب التي أدت إلى انهيار جولة الدوحة لمحادثات منظمة التجارة العالمية.

لقد أصبح العالم وكأنه يقف على منحدر زَلِق نحو القومية والاستبعاد. وإذا كان بوسع حكومة ما أن تتدخل لإنقاذ البنوك الفاشلة المفلسة، فما الذي يمنعها من حماية مؤسساتها التجارية المفلسة ومزارعيها المفلسين أيضاً؟

لقد أصبحنا في حاجة واضحة إلى صفقة جديدة من أجل التجارة. والآن تدور أحاديث منتشرة عن ضرورة عقد مؤتمر ثانٍ على غرار مؤتمر بريتون وودز الذي انعقد في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لإعادة هيكلة النظام المالي العالمي، وتعزيز قدرته على الاستدامة، وعرض "المعونة في مقابل التجارة" على البلدان النامية. ولكن لكي تكون فعّالة فإن أي صفقة جديدة لتعزيز التجارة لابد أن تشتمل على ما هو أكثر من مجرد تأسيس مجموعة جديدة من المؤسسات الدولية. إذ إن مثل هذه الصفقة الجديدة تتطلب الإصلاح من القاعدة إلى القمة.

والواقع أن هذا الشرط ضارب بجذوره في التاريخ. فقد أصبحنا معتادين على التفكير في التجارة الحرة باعتبارها مسألة تخصصية لا يدرك أبعادها ويسبر أغوارها غير خبراء الاقتصاد والمفاوضين التجاريين الليبراليين من ذوي الحُـلل الداكنة، إلى الحد الذي جعلنا ننسى كيف أن التجارة الحرة كانت منذ قرن من الزمان تشكل معتقداً أساسياً لدى العديد من الديمقراطيين، والراديكاليين، والناشطات من النساء، بل وأيضاً لدى النقابات العمالية المنظمة.

في ذلك الوقت كانت بريطانيا في موقف لا يختلف عن موقف الولايات المتحدة اليوم: قوة عظمى في انحدار نسبي، وتواجه منافسين جددا وردود فعل مناهضة للعولمة. وفي أواخر القرن التاسع عشر رفعت كافة القوى كل الحواجز التجارية التي كانت قد وضعتها ـ باستثناء بريطانيا.

إن موقف بريطانيا آنذاك لابد أن يشكل درساً لنا اليوم. يؤكد أغلب خبراء الاقتصاد على تفوق نموذج التجارة الحرة ويشيرون إلى قوة جماعات الضغط وجماعات المصالح لتفسير افتقار هذا النموذج إلى الشعبية في التطبيق العملي. وكما زعم بن بيرنانكي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، فإن التوسع التجاري لابد أن يسفر عن خسارة بعض الخاسرين، الذين تؤدي احتجاجاتهم إلى صرف الانتباه عن فوائد العولمة.

وهذا صحيح، بيد أنه لا يشكل سوى نصف الحقيقة، إذ إنه يتجاهل كيف نجحت التجارة الحرة في لحظات حاسمة من التاريخ في حشد تأييد العديد من الفائزين.

منذ قرن من الزمان، وأثناء أزمة سابقة من أزمات العولمة، كانت المطالبة بالتجارة الحرة في بريطانيا سبباً في نشوء حركة جماهيرية حقيقية. ولم تكن مجرد قضية عزيزة على المصرفيين أو التجار أو جون ماينارد كينيز أيام شبابه، بل لقد نجحت في حشد الملايين من الناس. أما بالنسبة للنساء اللواتي ظللن محرومات من حقوقهن، فكانت التجارة الحرة بمثابة نوع من حق المواطنة البديل: فقد حمى البرلمان مصالحهن كمستهلكات بإبقاء الباب مفتوحاً أمام الواردات الرخيصة. وبالنسبة للعديد من الديمقراطيين كانت التجارة الحرة تشكل قوة من أجل السلام والعدالة الاجتماعية، وأداة لتقليص سلطة أصحاب المصالح الخاصة، ووسيلة لتعليم المواطنين عن الإنصاف والعدالة والتفاهم الدولي.

لا ينبغي لنا أن نستغرق في وصف محاسن ذلك العصر السابق من التجارة الحرة. إذا إن الفقر لم يختف في ذلك الوقت. وكان العديد من البريطانيين يؤمنون بفكرة "إمبراطورية التجارة الحرة"، وكان آخرون يعملون على إذكاء نيران العداوة الأنجلو ألمانية، فيصورون ألمانيا ذات النـزعة الحمائية في رسومهم الكاريكاتيرية كمجتمع همجي يعيش على لحوم الخيول والكلاب؛ وقال لويد جورج أمام جمع غفير من الناس، قبل تعيينه رئيساً للوزراء، إنه يخشى السجق الألماني أكثر من خشيته من البحرية الألمانية.

من بين الأسباب التي مهدت لنجاح التجارة الحرة في إلحاق الهزيمة بالنـزعة إلى الحماية في بريطانيا منذ قرن من الزمان أن مؤيديها خاطبوا مشاعر الناس وهوياتهم، وليس فقط مصلحتهم العقلانية في توفر المزيد من الثروة والغذاء الرخيص. ونظَّم الليبراليون والراديكاليون عروضاً متنقلة، وحفلات ترفيهية سياسية، وطبعوا الملصقات الملونة. وفي المدن كانت نوافذ عرض المحلات التجارية توضح تكاليف التعريفات والرسوم الجمركية على المستهلك العادي. وفي المناطق الريفية كان الناس يشاهدون عروضاً سياسية جانبية حتى ساعات متأخرة من الليل. واستقبلت الاجتماعات التي تم عقدها في المنتجعات الساحلية ما يقرب من المليون شخص في العام 1910. متى كانت آخر مرة حين ذهبت إلى الشاطئ فوجدت نفسك مدفوعاً إلى مناقشة بشأن التعريفات الجمركية؟

كانت الحرب العالمية الأولى، ومن بعدها أزمة العشرينيات، من الأسباب التي أدت إلى تحطيم أي اعتقاد ساذج في التجارة الحرة النقية الخالصة. فمثلما يحدث اليوم، اكتشف المستهلكون أن الأسواق قد تتركهم بلا حيلة، الأمر الذي أدى إلى المطالبة بفرض التنظيمات. وكان لزاماً على أنصار النـزعة الدولية أن يتعاملوا مع حقيقة بسيطة مفادها أن التجارة الحرة في حد ذاتها كانت عاجزة عن تمكين السلام تلقائياً. فقد تجاوزت العولمة الاقتصادية السياسة في السرعة، الأمر الذي أدى إلى نشوء توترات جديدة بشأن النفط وغيره من الموارد الاستراتيجية. وكان لزاماً على المؤسسات السياسية أن تلحق بالركب.

كان مؤتمر بريتون وودز والاتفاقية العامة بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (اتفاقية الجات) من الأسباب التي أدت إلى نشوء نظام جديد بعد الحرب العالمية الثانية. ومن الناحية الاقتصادية فقد حظي المؤتمر والاتفاقية بنجاح معقول. فقد هبطت التعريفات، رغم أن الحواجز غير الجمركية والاتفاقيات التفضيلية كانت في ارتفاع. ولكن من حيث الثقافة الديمقراطية فإن الاتفاقية العامة بشأن التعريفات الجمركية والتجارة كانت سبباً في المزيد من انفصال التجارة عن السياسة اليومية. ولهذا السبب أصبحت التجارة الحرة عاجزة في مواجهة الاحتجاجات المناهضة للعولمة.

النبأ السار في كل هذا أن الناس لم تكف عن الاهتمام بشأن أخلاقيات التجارة. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فقد تحولوا إلى حركات أخرى مثل التجارة النزيهة والعدالة التجارية. ومن الإنصاف أن نذكر هنا أن منظمة التجارة العالمية تحت قيادة باسكال لامي حاولت الوصول إلى مثل هذه الجماعات ومساعدتها. ورغم ذلك فإن الطريق أمامنا ما تزال طويلة قبل أن نتمكن من الربط من جديد بين التجارة الحرة والمواطنة والتضامن العالمي. ويؤكد لنا التاريخ أن هذه المهمة ممكنة، بل ضرورية.

*أستاذ التاريخ لدى كلية بيركبيك بجامعة لندن، ومؤلف كتاب "أمة التجارة الحرة".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق