زليخة أبوريشة

التحرُّش والمتحرِّشون

تم نشره في الثلاثاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

المصيبة أنهم يتحرشون، ويتحرشون بعنف وصلف.. الشباب الذين لم تفقس عنهم البيضة بعد، وأولئك الذين فقست وانتهت، وأولئك الذين يعودون اليها بحكم دورة الطبيعة. يتحرشون هكذا من فوق، بثقة مطلقة، وكتدريبات أولية على الإمساك بزمام الأمور وزمام المرأة.

 يتحرشون من إحساس (طبيعي)- حقنته في أدمغتهم ثقافة البيت والمجتمع والإعلام الساقط- بأنهم يمتلكون تلك الفتاة التي عبرت الطريق أمامهم، يملكون جسدها (والمجتمع يملك الباقي: أما أبوها فيملك مصيرها) فيستبيحونه بالنظرات الثقيلات المتغلغلات الناشزات، ثم باللغة، بالكلام المخصص لخارج البيت، حيث جميع نساء الآخرين (لنا)!!

وحيث تستباح أعضاء المرأة استباحة مذلة..

والمتحرش ضليع بالجغرافيا، فهو دارس جيد للمواقع والأماكن والظروف... فالتحرش في الشارع العريض غير ذاك الذي في شارع ضيق، العريض واسع فضفاض, لذا لا بد من جَهْوَرة في الصوت والايماءات لإسماع الضحية وإفهامها الغرض من وجودها في الحياة (إشباع رغبته)!! أما الطريق الضيقة فيمكن فيها التداني والتماس حد الالتصاق... في حين أن الضحية لا تستطيع أن تصرخ، فصوتها عورة، ولا أن تستنجد، فتجلب العار الى العائلة... وليست على قوة في البدن، ولم تتعلم الكاراتيه وفنون الدفاع عن النفس, فهذه أفكار غربية لتحرر المرأة... ولا تملك الا أن تظل ضحية.

 والمتحرّش خبير بالتاريخ، فهو دارس جيد للزمن ودورته؛ فتحرش الضياء غير تحرش العتمة, وتحرش النهار غير تحرش أول الليل وغير تحرش متأخره. وثمة تحرّشٌ متخصص بأوقات المغادرة لمدارس البنات، وهذا يتمادى لاقتراح صداقة أولاً, ثم الباقي على الضحية وعلى الظروف وعلى شطارة المتحرِّش.

 والمتحرشون (ديموقراطيون) في التحرش, فهم يعاملون النساء في الشارع - وحيثما يُتاح -على قدم المساواة، لا يوجد شيء اسمه صغيرة او شابة، أو شابة ومُسِنّة، أو سليمة الصحة أو على عكاز، ولا لجاهلة أو متعلمة أو (نصف نصف).... فجميعهن حرثٌ مناسب لكل ذي طاقة فعّالة. وعلى سيرة الديمقراطية، فهنالك تحرّش غير ديمقراطي يتم داخل المكاتب والمؤسسات، يحكمه دائما مدير يشعر أنه يملك حق التحرش بمن يلينه من النساء، حقا غير مشروط (وهذا منه الشيء الكثير، ولا واحدة تفتح فمها)!! كما ثمة تحرش يكون في أرقى الأوساط العلمية، وفي الجامعات تحديدا، حيث قد يتطاول الزميل على زميلته, ومن المؤكد أن الاستاذ يستطيع أن يتمادى على تلميذاته ما دامت هيبته وخلل المؤسسة يحميانه.

 هذا هو التحرش في مجتمع عربي ومسلم في مجموعه... فكيف السبيل الى وصف حالة التمرغ في الطين هذه؟ فإذا كان نصف المجتمع من الذكور، ونصف هذا النصف - على أقل تقدير- يتحرش، فإن النصف الآخر يتفرج ويعرف ولكنه يغض الطرف... وهذا يعني أن كامل نصف المجتمع من الذكور، شعبا وأجهزة حكم، ومجالس تشريعية وتنفيذية، متورط في جريمة يومية شنيعة. والاسوأ من ذلك والأفظع, أنه يضع "الحق" على الضحية لأنها خرجت من البيت، لأنها لبست أو لم تلبس, لأنها ذهبت الى التعليم, لأنها اختارت في التعليم تخصصا لا يناسب المرأة, لأنها ذهبت الى العمل, لأنها تعمل في مجال ليس للنساء, لأنها ركبت المواصلات العامة, لأنها وقفت على الرصيف, لأنها نظرت, لأنها... لأنها... فأعطت المجال.

 

فما التحرش الجنسي؟ إنه أي فعل تُسْتَخْدَم فيه حاسة أو أكثر, أو وسيلة أو أكثر لإيصال فكرة أو كلمة أو معنى, وتحمل هذه الفكرة عدوانا على حرية المتحرَّش بها/ الضحية, أو كرامتها, والتحرش فعل اغتصاب مبدئي- على طريق الاغتصاب الكامل- يؤديه متدرب صغير أو محترف كبير, من أجل تفريغ طاقة الجنس السالبة التي غذاها الجوع الجنسي, وثقافة الكبت التاريخية..

 وبعد،

والذي يحصل الآن: أن النساء قدتَحَجّبْنَ، ومع ذلك ازداد سُعار التحرش بهن حتى بات فضيحة ثقافية ومجتمعية تعقد له الندوات العلنية على الفضائيات العربية.

 وأنَّ الذكور قصدوا المساجد حتى انسدت الطرق، ورفعوا شعارات الدين، وطوروا أساليبهم في الخطاب الوعظي وفي مؤسساته حتى بات الوعظ تجارة رائجة رابحة (برامج الوعظ على الفضائيات)، ومع ذلك فيبدو أن الذكور (النصف المتحرِّش, والنصف المتفرِّج) لم يدركوا حتى الآن أن الموضوع برمته موضوع جذري في التربية، وفي نمط الحياة، والعلاقة بين الجنسين منذ الصغر... وأنه موضوع ثقافة ينبغي أن تتحول الى أخرى مشبعة بقيم الحرية الشريفة، للطرفين، وباحترام الذات وحدودها, واحترام الأخرى والآخر وحدودهما....، ثقافة تحدد "الحَرَمَ" الإنساني، كما يُحَدَّدُ حرم المستشفى وحرم الجامعة.

فالكيان الإنساني- بمجرده- مقدّس لا يجوز تدنيسه بالتطاول والاعتداء والتحرش... وللأسف فإن مجتمعنا مايزال يعتبر المرأة- في هذا السياق- منطقة حرة.

وبعد،

 أنزيد الحجْرَ على الإناث؟ أم أنه دور الذكور أن يقرّوا في بيوتهم، ويريحوا المجتمع من شر طاقاتهم المخرِّبة؟ اقتراح ساخر, ولكنه للتداول..

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »so true (female)

    الثلاثاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    your article is so valid and true , unfortunately women are always the victim but we should resist such harrasments but speaking up and putting a LOUD end to it
    thank you
  • »الوازع الديني والاخلاقي (عامر التلاوي)

    الثلاثاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    اقول الكاتبه المبدعة لانها اختارت كلمات لمقالها تميزت بالابداع الوصفي واللفظي .
    الموضوع جد مهم وانا لا اغالط الكاتبه فيما طرح لاننا باختصار يجب ان نعترف ان التحرش موجود وقد نراه بام اعيننا ونسمع به ملء اذاننا في كثير من الاماكن التي تتواجد بها النساء سواء كن شابات او متزوجات ...الخ
    الا اننا ايضا يجب ان لا نبالغ ونغالي كثيرا في انتشار هذه الظاهرة التي لن ازيد على ماوصفته الكاتبه من انه موضوع جذري في التربية , ولست بصدد الدفاع عن الجغرافيا والتاريخ الا انني ارى ان من يملك تلك الجراءة الوقحة بالتحرش لا يهمه كثيرا ان كان الوقت ليلا او نهارا او المكان واسعا او ضيقا طالما ارتضى لنفسه السقوط في وحل مستنقع الرذيلة الاخلاقية التي لا تعرف الدين او العادات والتقاليد والقيم الانسانية النبيلة .
    هنالك الكثير من الرجال والشباب الذين يرفضون هذه الظاهرة من اساسها يدفعهم الوازع الديني والاخلاقي في ذلك.
    من كان بيته من زجاج لا يرمي بيوت الاخرين بالحجارة, من يرتضي لنفسه هذا السلوك الخاطئ لا يضمن ان دارت عليه الدوائر يوما ما.
    الوازع الديني والقيم الانسانية وحسن خلق الانسان الناشئ من تربية صحيحة تضع كل ذي عقل وبصيرة على الطريق الصحيح.
  • »قلة تربية (م. ابو ميار)

    الثلاثاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    اعتقد ان الامر سيدتي يندرج تحت مسمى واحد هو قلة التربية فكم من شاب عندما يرى فتاة جميلة تأخذ بتلابيب العقل ان يحمر وجهه خجلا. وقد تفضحة تقاسيم وجهه انها اخذت بتلابيب عقلة وتسارعت خفقات قلبه ولكن دون ان يصدر عنه اي بنت شفة. عديد هم الشباب ومن وصفتيهم من مختلف الاعمار والمنابت لهم هذا التصرف الارعن الذي قد يؤدي لمشاجرات وسفك دماء احيانا. وهذا ما تطالعنا به وسائل الاعلام واخرها (الجامعة الاهلية) اعتقد ان الحل يكمن في العودة لتربية الاولاد على الفضيلة واحترام الاخر والحفاظ على المساحة الطبيعية بين الناس على اختلاف الموقع والمكان كما اجد ان يكون هناك دورا لوسائل الاعلام ومناهج التعليم ودور العبادة. في ارساء الفضيلة والاحترام بين البشر. اشكرك على هذا الموضوع المهم لانه اصبح ظاهرة تحتاج لحل قبل ان تستشري بين الشباب وشكرا لك.