أهتيساري الفائز بجائزة نوبل: من كوسوفو الى فلسطين

تم نشره في الجمعة 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

ما يزال الرئيس الفلندي السابق مارتي أهتيساري الذي فاز هذا العام بجائزة نوبل للسلام، نظرا لاسهاماته في حل النزاعات المعقدة في العالم وآخرها كوسوفو، يحظى باهتمام كبير من الصحافة العالمية. وقد فاجأنا قبل أيام بكلمات من العيار الثقيل في آخر مقابلة أجريت معه، اذ إنه قال بأنه يشعر بالعار لعدم تسوية النزاع الفلسطيني الاسرائيلي. وقال أهتيساري بهذه المناسبة: "علي الاقرار بأنني أشعر بالعار. كيف يمكن الادعاء بجدية سنة بعد سنة بأننا نبحث عن حل في حين انه لايحصل أي شيء؟".

وفي الواقع ان أهمية هذه الكلمات تكمن في كونها نابعة من رجل الدولة والدبلوماسي العريق الذي يحظى بالاحترام نظرا لسجله الحافل في حل النزاعات المعقدة في العالم كما في ناميبيا واندونيسيا وأخيرا في كوسوفو. ومن يعرف تعقيدات البلقان والشرق الاوسط يشعر بأن من خاض في تعقيدات البلقان والنزاع الكوسوفي الصربي يريد أن يوصل رسالة الى العالم بأنه بعد حل هذا النزاع المعقد لم يعد من المقبول أن يبقى النزاع الفلسطيني الاسرائيلي على حاله بعد الان.

ومع التشابه بين النزاعين، الذي يعطي ما يقوله أهتيساري قيمة خاصة، فانه من الواضح ان الامم المتحدة ( التي كانت قد عينت أهتيساري في 2005، مبعوثا خاصا لكوسوفو) والاتحاد الاوربي قد وضعا كل ثقلهما لتسريع الوصول  الى حل للنزاع الكوسوفي الصربي حتى انتهت الامور الى دولة كوسوفية مستقلة في أقل من عشر سنوات (حرب حزيران 1999- اعلان الاستقلال في  شباط 2008)، بينما لا تزال الاوضاع في فلسطين تنتظر الحل بعد ستين سنة من حرب 1948 . ومن هنا شدد أهتيساري  في المقابلة المذكورة على أن " ما ينقص هو الارادة السياسية، ويمكن اذا ما امتلكنا الارادة السياسية تسوية أي نزاع كان".

وفيما يتعلق بالتشابه بين النزاعين فقد أدرك أهتيساري منذ البداية أن النزاع الكوسوفي الصربي له بعد تاريخي / عاطفي لدى الطرفين، حيث أن كل طرف له تاريخه الخاص ومشاعره المرتبطة ببعض الاماكن. ولذلك كان يقال ان التوصل الى أي حل لمشكلة كوسوفو يحتاج الى خيال دبلوماسي أيضا وليس الى عمل دبلوماسي فقط.

وبالاستناد الى ذلك فقد وضع أهتيساري مشروعه الذي أخذ بعين الاعتبار مصالح ومشاعر الطرفين من دون أن يسمح لاي طرف أن يسيطر على الاخر. وهكذا في الوقت الذي أعطى الغالبية الالبانية حق الاستقلال عن صربيا فقد أعطى الاقلية الصربية حق التواصل الحر مع صربيا وحق التمتع بالجنسية الصربية بالاضافة الى الجنسية الكوسوفية.

وعلى الرغم من ذلك يمكن القول ان النخبة المعنية لدينا في المنطقة لم تدرك آنذاك هذا الاختراق الدبلوماسي الذي حققه أهتيساري ودلالته بالنسبة الى فلسطين باستثناء التصريح المشهور الذي تفوه به ياسر عبد ربه وضاع في غمرة ردات الفعل على اعلان الاستقلال في كوسوفو.

ان ما تحقق في كوسوفو بالاستناد الى مشروع أهتيساري له دلالة كبيرة: دولتان مستقلتان صربية وكوسوفية ، ولكن ليست هنا الدولة القومية التي هي امتياز للاغلبية على حساب الاقلية بل هي الدولة التي تقوم على المواطنة والتي يتمتع بها الجميع بالمساواة بغض النظر عن العرق والدين مع ضمانات اضافية للاقليات. وهكذا نجد الان ان الاقلية الصربية في كوسوفو( 5%) تتمتع من الحقوق أكثر بكثير من الاقلية العربية (20%) في اسرائيل.

ومن هنا فالمأمول ان المجتمع الدولي الذي أجمع على تهنئة أهتيساري بحصوله على جائزة نوبل للسلام، تقديرا لما قام به في ناميبيا واندونيسيا وكوسوفو، أن يقدر أيضا ما قاله عن "العار" المتمثل في استمرار الاوضاع على ماهو عليه في فلسطين، وأن يتدخل بزخم أكبر للتوصل الى حل عادل بعد كل هذه العقود من الانتظار والامل المؤلم.

mm_arnaut@hotmail.com

التعليق