د.باسم الطويسي

حاجة الولايات المتحدة لميلاد جديد

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

لا يكاد يوجد مكان آخر في العالم يتضح فيه دور القوى الاقتصادية والاجتماعية في تفسير حركة التاريخ واتجاهاته بعيدا عن نسب مجريات التاريخ وقوى التغيير الى عدد قليل من العظماء مثلما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية.

ولعل اللحظة التاريخية الراهنة التي تلح بالحاجة إلى التغيير وإعادة ميلاد الولايات المتحدة للمرة الرابعة؛ سيكون بعد حين من الزمن خيار أمة، كما سيترجمه الناخبون الأميركيون في صناديق الاقتراع، ليس بفعل سحر السناتور الأسود أوباما، ولا بفعل برنامج الديمقراطيين المناوئ للكثير من تفاصيل البرنامج الجمهوري الذي حكم الولايات المتحدة والعالم على مدى السنوات الثماني الماضية، بل بفعل حاجة حقيقية داخل الولايات المتحدة للتغيير عبرت عنها خلال العقد الأخير استطلاعات الرأي والمسوحات السياسية والاجتماعية وخلاصات مراكز البحوث ودوائر صناعة الاستراتيجيات، حتى أصبح الأمر أقرب إلى قرار خفي تم اتخاذه، وجاءت أحداث انهيار النظام المالي العالمي لتختم المشهد بشكل لا يحتاج إلى الكثير من المراوغة.

كانت لحظة الميلاد الأخيرة أو الثالثة في تاريخ الولايات المتحدة قد جاءت عقب كارثة الكساد الكبير في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، وهي الولادة التي أهلت الولايات المتحدة للانتقال من دولة متوسطة في الصف الثاني، وأحيانا الثالث إلى دولة كبرى تحسم الحرب العالمية الثانية بالضربة القاضية، وبعيدا عما يتردد في وسائل الإعلام العربية من قراءات مستعجلة تعودت النعي والاستسلام للدعاية المجانية، فإن العالم اليوم يقف أمام لحظة فارقة تجمعت فيها كافة الأسباب للتغيير، فلقد تبدل العالم مرات عدة خلال العقود الثلاثة الماضية ولكنه لم يتغير بالفعل.

لا يمكن التوقف أمام آفاق واحتمالات ما ستشهده الولايات المتحدة من تغيير من زاوية وصول أول أسود إلى كرسي الرئاسة في الولايات المتحدة، فهذا التحول سيكون أحد نتائج الميلاد الجديد، فماتزال صور مارتن لوثر كنج تملأ محطات القطارات والساحات العامة وهو يرفع يده وفوق رأسه الشعار الذي رفعه قبل عقود (لديَ حلم).

وذا كان الحلم بوصول أول أسود لأعلى سلطة في أقوى دولة في العالم أدار نشأتها البيض، ووظفوا كل أجناس الدنيا وأعراقها لهذه الغاية قد أصبح في متناول اليد، فإن النتيجة والمغزى اكبر من ذلك بكثير، وربما ستثبت السنوات القادمة ان اوباما ليس إلا مجرد رمز لميلاد مرحلة جديدة تخرج فيها الولايات المتحدة، على كل الأحوال، أكثر قوة، وبعسكرة اقل للعالم، وذلك بدخول في عزلة دولية أو بالمزيد من الانفتاح أو بالمزيد من الهيمنة.

ان ما يتردد اليوم حول الأزمة الاقتصادية ومحاولة مقارنتها بما حدث في كارثة الكساد العظيم في الثلاثينيات تلح باحتمالات عودة تيار العزلة في السياسة الخارجية الأميركية، لقد كانت الكارثة الأولى خاتمة لفعل قوى التصنيع والتحضر الاجتماعية والاقتصادية منذ عام 1865 والتي خلفت موجة من الانهيارات التي تشبه ما يحدث اليوم حيث تراجعت قيمة الأسهم في بورصة نيويورك من 87 بليون دولار عام 1929 الى 19 بليون سنة 1933 وهبطت أسعار الجملة الى نحو 37% وخلف ذلك الانهيار حوالي عشرة ملايين عاطل عن العمل.

هذا الواقع دفع أنصار تيار العزلة الى العودة بقوة في الثلاثينيات وبداية الأربعينيات؛ ونحن نقارن اليوم بين ما كان يطرحه الانعزالي "لاندبيرغ" الذي وجه نداء من اجل استقلال أميركي جديد "لماذا يطلب إلينا ونحن مائة وثلاثون مليونا التخلي عن وضعنا المستقل. ويقال لنا ان حدودنا تقع في أوروبا ويقال لنا ان مستقبلنا ستقرره الجيوش التي تحارب على التراب الأوروبي"، وبين الواقع اليوم الذي جعل حدود الولايات المتحدة تمتد في قلب العالم القديم وتصل إلى تخوم الشرق الأقصى وإلى وسط الشرق الأوسط.

تدرك النخب الأميركية داخل الصراع الانتخابي وخارجه تحديات التغيير القادم من الداخل والآخر المفروض من الخارج، ولاحظنا خلال تطور مسار الحملة الانتخابية كيف تطور خطاب الجمهوريين نحو الوعد بالتغيير وأن المرشح الجمهوري قادر على صناعة وممارسة التغيير بالفعل وليس بالشعارات، يلتقي هذا الإدراك مع وقائع مستقلة آخرها تقرير للمخابرات الأميركية سيعرض على الرئيس الأميركي بشكل رسمي بداية عام2009، يقول بأن الولايات المتحدة ستحتفظ بصفة الدولة المتفوقة في الأعوام العشرة القادمة، إلا أن نفوذها سيتقلص بسبب امتداد نفوذ بلدان أخرى تشهد نموا سريعا وستنافس الولايات المتحدة في سوق موارد الطاقة مثل الصين وستأتي التغيرات المناخية في مقدمة الأسباب وراء تدني مكانة الولايات المتحدة في العالم.

وقد يتدهور المناخ إلى درجة تغدو معها كاليفورنيا المزدهرة صحراء مقفرة الأمر الذي سيؤدي إلى نقص الغذاء والماء. وقال التقرير إن الجفاف سيجتاح كوكبنا الأرض من شمال الصين حتى رأس الرجاء الصالح في إفريقيا.

ما ستأتي به انتخابات الأربعاء القادم سيعبر عن برنامج جديد للعالم، يعبر عن ان حاجة الولايات المتحدة للتغيير ليست مجرد لعبة وترف انتخابي، بل حاجة حقيقية ستشهد لحظة ميلاد رابعة تصل لدرجة الميلاد الأول في الاستقلال وثم الحرب من اجل الاتحاد ولحظة الميلاد الثالثة بعد سنيّ الكساد العظيم.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عمق (صادق ببشايره)

    الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    مقال جميل ومتوازن وموضوعي جدا بعيدا عن الشتم والكلام الفارغ ؛ صحيفة الغد تستحق القراءة
  • »صحيح ما تناولته ورائع (خليل مزهر الغالبي)

    الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    تحيتي..
    لابد ان تصرح امريكا ومن ةرائها بفشلها المعثر للمعظم العالمي ولابد ان يتجه الكل الهالمي لمواجة الصعاب العالمية البيئية وغيرها الارضي لما له من خطر مستقبلي وانا اقول كفى سرقة ولصلصة ايها الرأسماليين وقد صدق الفيلسوف الانسني برواحه الفكري لكن هؤلاء الذين افشلوا مراده
    ان تناولك رائع ايها الكاتب الاستاذ ولما له من معلوماتية تعني كثيرا النوضوع
    خليل مزهر الغالبي\عضو اتحاد الادباء والكتاب العراقي وشكرا