د.أحمد جميل عزم

تغيّر موقف "شاس" من القدس

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

تعيش الساحة الإسرائيلية تغيرات واضحة في المواقف من التسوية السياسية بشأن مدينة القدس، واحتمالات إعادة تقسيمها، حيث بات جزء من اليمين الصهيوني العلماني، وتحديدا حزبي "كاديما" و"العمل"، يتبنيان موقفا أقل تعنتا بشـأن المدينة، بينما التيارات الدينية الأصولية، وفي مقدمتها حركة "شاس"  التي كانت سابقا تتبنى موقفا أقرب لعدم الاكتراث من مسألة السيادة على القدس تتبنى موقفا يمينيا، أقرب لموقف جناح الليكود في الصهيونية العلمانية، وأقرب للصهاينة المتدينين.

لا يعني هذا التقليل من موقع القدس في خطاب اليهود الأصوليين غير الصهاينة، بقيادة "شاس" التي تمثل اليهود الشرقيين، وتشكل القوة السياسية الثالثة أو الرابعة في إسرائيل، ولكن هؤلاء، نظريا على الأقل لم يحسموا أمرهم من حيث قبول الشرعية الدينية لقيام دولة إسرائيل قبل ظهور المسيح، وبناء على ذلك فإنّ مسألة السيادة السياسية على الضفة الغربية أو القدس لم تكن ضمن اهتمامات حركة "شاس". وقامت علاقات الحركة مع الدولة الصهيونية، على أساس تبادل المنافع والتسويات، فالحركة تعطي أولوية لإدارة  شبكتها من المدارس الدينية والجمعيات الخيرية، وتحظى الحركة وأعضاؤها كما غيرها من الحركات الأصولية غير الصهيونية بإعفاءات في مجال الخدمة العسكرية وفي دفع الضرائب، في المقابل لا تعترض بقوة على الشرعية الدينية للدولة، بل وتتحدث عن الشخصية اليهودية للدولة وتقبل الاشتراك في مؤسسات الدولة.

عندما وصلت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية مرحلة متقدمة جدا في مفاوضات كامب ديفيد 2000، وطابا 2001، حاول حزب الليكود، الذي كان يقود المعارضة آنذاك، جاهدا استقطاب "شاس" لتأييده في الكنيست ضد أي تسوية في موضوع القدس. ولكن الحجج التي ساقها قادة "الليكود" واليمين الصهيوني في اللقاءات مع قادة "شاس" آنذاك، لم تتحدث عن سيادة دولة إسرائيل، أو عن أراضي إسرائيل، بل تمحور الحديث كما يستدل من تفاصيل لقاء إيهود أولمرت، رئيس البلدية الإسرائيلية للقدس، آنذاك، وعوفاديا يوسف، المرشد الروحي للحركة، في آيار عام 2000، حول نقطتين، الأولى، أمن المصلّين أمام حائط المبكى (البراق)، إذا ما أصبح الحرم الشريف والقرى المحيطة بالقدس بيد الفلسطينيين. والنقطة الثانية، تأكيدهم أن إيهود باراك لن يفيَ بوعوده بشأن إعطاء الحركة ما تريده من مخصصات لمدارسها ومؤسساتها. إذاً لم تكن قضايا السيادة ووحدة القدس تعني الحركة كثيرا.

أمّا الآن فقد اشترطت الحركة على زعيمة "كاديما" تسيبي لفني، شرطين لدخول الائتلاف الحاكم، أولهما، زيادة مخصصات المدارس للفقراء لنحوبليون شيكل، (تسيبي عرضت 600 مليون)، والشرط الثاني عدم التفاوض بشأن القدس كليّا. وقد رفضت ليفني الالتزام بعدم التفاوض، وهو موقف جديد نسبيّا لها. وبسبب هذين الشرطين فشلت جهود تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وتمت الدعوة لانتخابات مبكرة.

موضوع المخصصات لم يغب عن أي نقاش خاص بتشكيل الحكومة بين ليفني و"شاس"، أمّا موضوع القدس، فلا يبدو أساسيّا دائماً، بل إنّ عدة اجتماعات عقدت في البداية بين ليفني وممثلي "شاس" وكانت النقطة الخلافية هي المخصصات المالية من دون ذكر للقدس، ثم بدأت الإشارة للموضوع لأول مرة في اجتماع يوم 6 من الشهر الجاري.

يمكن تفسير تغير موقف "شاس" من القدس بأسباب عدّة، أولها، التنافس الانتخابي بين الحركة والأحزاب الدينية الصهيونية، فهذه الأحزاب تنال المزيد من التأييد، و"شاس" تريد منافستها بتبني مواقف صهيونية. وثاني أسباب التغير، تزايد العداء للعرب داخل الحركة، وهو تزايد يعود لأسباب مختلفة، منها زيادة هذا العداء داخل إسرائيل ككل، خصوصا في سياق الانتفاضة الثانية، وكان استهداف بعض المدارس الدينية، من استشهاديين فلسطينيين سببا إضافيّا لتأجيج العداء. والسبب الثالث، سياسي قصير المدى، فبينما تفاوض ليفني وتساوم كثيرا بشأن الأموال التي تريدها "شاس"، وبينما تبنى إيهود باراك عند رئاسته الحكومة قبل ثماني سنوات موقفا متشددا من مطالب "شاس" المالية، ومن مطالبها في مجالات قوانين الأحوال الشخصية ومحاربتها للعلمانية، فإنّ نتنياهو، إبّان رئاسته الحكومة الإسرائيلية أواسط التسعينيات، تحالف مع جماعات المستوطنين والجماعات الدينية، وقد قدّم نتنياهو مؤخرا وعودا لحركة "شاس" أنّه إذا فاز في الانتخابات المقبلة، سيقدّم للحركة مخصصات تبلغ ضعف ما عرضته ليفني، وقال في حديث لمجلة تابعة لحركة "شاس"، إنّ الحركة ستكون أول حزب يدعوه للانضمام للحكومة إذا ما فاز بالانتخابات. وبالتالي، ويما أنّ استطلاعات الرأي ترجّح فوز حزب "الليكود" بقيادة نتنياهو في الانتخابات المقبلة، فإنّ "شاس" ربما تفضّل المراهنة عليه، ومن هنا فإنّ إثارة موضوع القدس، الذي يتبنى نتنياهو موقفا متصلبا منه، تبدو ضمن مبررات شاس الإعلامية لتبرير عدم الانضمام للحكومة.

مواقف "شاس" العمليّة وكذاك باقي الحركات الأصولية، تبدو مواقف صهيونية متشددة، وإن كانت هذه الحركات من الناحية العقائدية النظريّة ما تزال لا تعترف بالشرعية الدينية للدولة الصهيونية. هذا الواقع يفتح الباب على احتمالين، الأول، أن تجري هذه الحركات مراجعات عقائدية، وتغير طروحاتها، وهذا سيكون تغييرا بالغ الأهمية لأنّه يسمح بإجراءات راديكالية، من مثل هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، وهو أمر لا زال مرفوضا عقائديا من قبل حاخامات إسرائيل الرسميين. والسيناريو الثاني، أنّه في ظروف سياسية معينة، تتعلق بالتفاعلات الإسرائيلية الداخلية، وبالظروف السياسية الإقليمية، قد تتراجع هذه الحركات عن مواقفها الصهيونية الجديدة بشأن القدس.

aj.azem@gmail.com

التعليق