زليخة أبوريشة

جزيرة بالي

تم نشره في الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

 

مثل تلك التي هبط عليها السندباد البحري ذات يوم بعيد، في احدى حكايات شهرزاد.. جزيرة خضراء تلاصق المحيط من خاصرته، فيتجرأ على مداعبة ثناياها ويمعن.

 "بالي" التي اقتطعت من الجنة وفرّت طائعة إلى الأرض لتثبت أن الجمال خالد، وأنه ممكن على أكثر الكواكب التي تعمل ضده!! ها هو بحر تيمور يغسل أقدامها أمامي، تحت وقع شمس لا تحرق، لأن بخار الماء الذي يغلف الجزيرة مثل خيطان حرير واهية، كفيل بتخفيف حمأة القيظ التي تنصبّ من الشمس الاستوائية على أرض خط الاستواء.

 الموج اللازوردي في الأفق يتحول مزاجه تدريجيا ليصبح ها هنا تحت أقدامنا نحن بلون الفيروز الذي سيؤول بعد اقترابه من الشاطئ الأخضر الى أبيض فستقي خَضر، والمغيب يشبه تواريا ذهبيا.. كأن الشمس قد قررت النهوض إلى أرض أخرى أحوج الى الابتسام من عتمتها، وأحوج إلى مصيرها اليومي.. وتلك الموجة لا تتعب. تظل تدق باب الشط في خطها المنحني على هيئة الشط. كيف عرفت أنها لن تكون موجة إن لم تتشكل على خطه؟ إنها حكمة الماء ومنطقه.. تلك التي تتظاهر بالخضوع، بينما هي تنشئ العالم المواجهة نحتا هادئا دؤوبا، وعلى هواها المستدير!!

 فالماء لا يمس شيئا لا يحوله الى مستدير. الماء الابن البار للطبيعة، يكره الخطوط المستقيمة، وتظل مهمته الأولى أن يخفف من قسوتها وحدتها ويلين متجهم ملامحها. الماء كالريح: نحاتا الطبيعة اللذان يتعهدان عناصرها القاسية ويعيدان رسمها من جديد.. فإلى منطق الدائرة يذهبان، حيث الاستدارات الهائلة بعض تجليات الأنثى في الكون.. هذا البحر المذكر يظل يتظاهر بالخطورة، ويتباهى بعضلاته المهيبة من الموج القاتل، ولكنه لا يدري أنه أحد خدّام الطبيعة لتأنيث الكون.. وكذلك أخوه الهواء الذي إن اشتد صفق وصفع ودحرج وأودى ليشذّب كل نتوء بارز ويدوره، كما لو كانت الأرض أنثى تمردت قليلا، وتعلقت قليلا بوهم قوة الذكورة وخطرها الفاعل.

 في الطبيعة لا شيء يظل مستقيما كرمح طاعن.

 لا شيء لا ينحني، لأن الحركة التي يمارسها جيدا الهواء والماء كفيلة بتحقيق الأنثوية التي ينبثق منها التجدد كل يوم.

 وها هو أمامي، ازميل البحر الجبار يعمل بأناة في مادة الارض، ويخبرها كم ستكون أجمل لو استجابت لذاتها وكانت أنثى أكثر، البحر النِّدُّ الباهي الجميل للأرض التي يسندها حتى وهي تعلوه وتتعالى عليه، ولا ينحسر عنها، بل يتمادى في رغبته أن يغطي فخديها المكشوفتين، ويستر فتنتها..

ها هي "بالي" اذن، احدى جزر الجمال الاندونيسي الباهر، التي تحت كل شجرة منحوتة، ووراء كل شجرة وتحتها وفوقها شجرة، والتي تشب فيها الخضرة كما لو أنها خيول وكائنات خرافية تعدو في عراء أزرق ولكنه ضيق، وهي أشجار ممشوقة طويلة وذات ذوائب، تتهدل من أعاليها لو كانت جدائل نساء طيرتها الريح، على عكس سكان بالي الضِئال القامات، المصنوعين خصيصا لتسلق تلك الاشجار كما تلك الأماني.. فالأرض التي في هذا الجزء المذهل من العالم، والمضروبة بآلاف الهزات الأرضية وغضب عدد من البراكين، لفرطعتها في آلاف الجزر، قد أثبتت أناسا خفافا جاهزين لمواجهة الغضب المفاجئ للطبيعة ولا تفسير لديّ غير هذا.. إذ كيف يستقيم في الطقس الاستوائي الواحد عمالقة في افريقيا وضِئال في جنوبي شرقي آسيا؟

من وجهة نظر جمالية، لا يعدو أن يكون الأمر نزوة طبيعية آيلة إلى التفتت، وسط محيط مائي هائل، وعلى السكان أن يكونوا على وفاق مع نزوات الطبيعة التي ثبت مع الأيام أنهم أكثر أهل الأرض توافقا معها، وحبا لها بلغ حد العبادة.. إذ لا يوجد شيء في الطبيعة لم يحترمه الانسان هنا، ويُحْببه، ويتعامل معه كمقدس، حتى ورق الشجر الذي يتساقط لا يذهب سدى، لأنه سيكون مكونا أساسيا في لوحة أو تحفة يدوية أو مروحة أو تطريز أو ما شابه.

الطبيعة هاهنا تتصدر .. وبكل المقاييس. وكل شيء يأتي بعد ذلك..

 أما نحن فلا مكان للطبيعة. ولا يأتي أولا في الواقع العملي إلا الفوضى؛ فوضى الأفكار والأولويات، وفوضى الولائم التي نقيمها على شرف مسح الهوية ومسخها وتشويهها، فوراء كل شجرة نبتت بقوة إرادة الطبيعة لدينا منشار يتربص بها، وراعي ماعز يتلمظ لملخ غصونها، وبلدية عبقرية تنوي فتح شارع- غالبا لا ضرورة له- أو مد رصيف لا تستطيع المارة استعماله، أو مهندس خالي الذهن، نشأ في عراء المعنى وصحراء الإحساس، أكثر أهله من تعنيفه الجسدي حتى فقد القدرة على الإبداع، رأى أن الشجرة الجميلة الواسعة تقف في وجه مشاريعه لتجميل المدينة!!

 كلما أرى الخضرة هنا واحتفاء الناس بها، والتقرب إلى الآلهة بالعناية بها، أرنو إلى بلدي الشاحب، وأشتهي له عباءة نضرة كما قلبه الأخضر.. ومطرا نظيفا يغسل ما راكمته جرافات الأيدولوجيا وجرافات الخرافة والجهل من غبار قاتل..

كلما أرى الخضرة ها هنا، وفي أي مكان أخضر، أفكر بأردن أخضر، حيثما تسعف التربة ويسعف المناخ، أردن خال من التوقيت السيئ للأفكار، والتظاهر الكاذب بالعمل، والتملق المزري لكل ذي سلطان، أفكر بنفوس خضراء مبتسمة ومتحررة من الشرطة الداخلية والخارجية، ومتحررة من النكد، ومتحررة من الخوف، ومحبة للحياة...

لأنه:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طيب !! (سمسم)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    "كفيلة بتحقيق الأنثوية التي ينبثق منها التجدد كل يوم"

    ممتاااااز ، هيك صار الشجر الأخضر مؤنث

    آخر فقرة جميلة بس هل كان ضروري كتابة الملحمة الخضراء أعلاه عشان نوصل لهيك نتيجة يا زليخه !!