زليخة أبوريشة

في مديح الضآلة

تم نشره في الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

 بالي- اندونيسيا

النساء الجميلات الضئيلات المتخفيات في حيائهن هنا في اندونيسيا.. الدائمات الابتسام مثل لمعان الشمس على حبات الفاكهة الاستوائية.. والرجال المؤتزرون على خواصرهم تنانيرهم، الخفاف في العمل كالنحل، والمبتسمون دوماً كخواطر مرحة للطبيعة.. النساء والرجال الضئيلون في الحجم ليمروا في الطبيعة كاخوة، وليمدوا الأيدي الى كائناتها الصغيرة ليصنعوا منها أرق الاشياء: تذكارات ناعمة لمرور الهواء على وجنات العذارى.. علب الحلوى مبطنة بالبامبو ومغلفة بالخجل.. عقود خرز من صدف بحر يكاد يصيح: أنا اللؤلؤ.

نساء ورجال ضئيلون في الحجم.. كانهم لا يسيرون على ارض هذه الجزر المتناثرة.. بل يطيرون طيراناً فويقها بقليل. على ارتفاع شبر او شبرين. فلا تصطفق الصنادل البامبو بحصى الشواطئ الاسود والذي صقله الدأب: دأب الماء كأنهم يخشون على جزرهم المتناثرة، ان اثقلوا الخطو عليها، ان تغرق في مائها.

 نساء ورجال حقيقيون. مشغولون بأفكار الطبيعة عن نفسها.. بجرأتها في طرح مقترحاتها في حجم الزهور وألوانها.. وفي ابتسامات الصباح الاستوائي.. وفي صيغ الخضرة اللامتناهية.

 نساء ورجال شغوفون بالعمل كرقي نحو الإله الذي يتربص بالخطايا عند كل زاوية، وداخل كل حديقة بيت، وعلى أسوار تعبيرات جديدة للحب، ووسائل اخرى للاستشعار عن بعد.. بينهم المحسن والمعطي والمخلص والآيل الى صفات الخالق من كثرة التفكير بالتفاصيل.. بديعو الصنع والتكميل.

 نساء ورجال صغيرون بحجم بعض اطفالنا.. وعلى الطرف الاخر من الكوكب نساء ورجال ضخام، يستهلكون الهواء والماء والطعام.. ويبدون الحيز، كما لو كان الواحد منهم اثنين.. وليس له رأسان. وله فم واسع ويدان عملاقتان تمسكان بتلابيب المعمورة، كما لو كانت إرثاً شرعياً لجبروته.

 ما حاجة الكوكب الارض الى اناس تعمل بهمة منقطعة النظير على نفاد الطبيعة من موادها الخام؟ ومزاحمة صغار البشر العاملة والمتقنة ما تعمل على قطعة الهواء، وقطعة الماء، وقطعة التراب التي عليها تحيا، وقطعة المصير؟؟

وما هي تلك المعايير التي عليها يقاس الجمال هناك في المغترب الغربي الشمالي؟ المعايير التي تصاغ هناك للكرة الارضية؟ معايير ملاك المعمورة.. مديري القارات الخمس كأملاك خاصة.. وبائعي الهواء بزجاجات مفلترة من فكرة الوطن.. من فكرة الحيز الخاص بنا وباحوالنا وبمعرفتنا المجتهدة بالعالم؟

ما حاجة العالم الى العماليق الكبار؟؟ واسعي الاشداق كحيتان المحيطات البعيدة؟ وذوي المقاسات الكبيرة التي تتسع جاكيتاتهم الملقاة على أكتافهم بلا اكتراث، لقبيلة من النساء الشغيلات على لضم الخرز والعقيق لنسائهم المدللات.. والعشرينيات الفاقدات البصر من شغل الابرة المخاتل..؟؟

ما حاجة الارض الى الضخام الجسام الطوال القامة ما دامت اندونيسيا تحت مطرها الموسمي، متمرسة في عشق الطبيعة، وحالمة مثل بقية الشعوب بقتل الفقر المستبد الذي يذهب بثرواتها الى العولمة التي تصبها في جيوب الضخام الجسام العمالقة واسعي الاشداق؟ ما حاجة العالم الى الكاوبوي المقامر، منعدم التهذيب الذي يطلق مسدسه للتسلية ولاثبات الجدارة.. واذا قعد في كرسيه فليمد قدميه في وجه العالم؟

 ما دامت اندونيسيا تمد العالم بالكائنات المبتسمة الرقيقة والرفيعة التهذيب.. والتي تكاد تتوارى في عتمة حيائها كحوريات البحار؟

ما حاجتنا الى مختري القنابل ومجربيها في بشر اقصى الشرق وادناه؟ ومخترعي السرطان وناثريه في جيوب فقراء العالم؟ ومخترعي الفقر الدولي ومبرمجيه؟ ما دامت شعوب آسيا ما تزال تعطف على اخلاقها وفلسفاتها وافكارها وسلوكها اليومي صديق البيئة صديق الانسان..؟؟

ما حاجتنا الى العنصرية وسلسلة امراضها؟ ونظرات التفوق العرقي ثم التملص منها، والحروب الطاحنة ثم مداهنة مقترفيها؟؟ وتوحش الرأسمالية ثم تدفيعنا فواتير اخفاقها الذريع؟؟ ما دام في آسيا شعوب لم تبلغها لوثة الاعراق ولا هوس المطامع المتوحشة؟ ولنا محبة وصديقة؟

ما حاجتنا الى الضخام الطوال العراض؟ ما دام هؤلاء الصغيرون يصنعون الحياة الجميلة؟ ويرثون الطبيعة ويرعونها كما لو كانوا ولدوها؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »و لنا من التوبيخ نصيب أيضا (ابراهيم جبر)

    الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    ليس الضخام الطوال العراض وحدهم من يستحق التقريع، و ليس الجشع الرأسمالي وحده ما هو جدير بالهجاء، بل نحن أيضا كشعب عالمثالثي في الشرق الأوسط؛ نسخر من شعوب شرق آسيا المبدعين المنتجين رغم بؤسهم، و ننتقص حد الازدراء شعوبَ شبه القارة الهندية، الذين بما لديهم من علم يسبقوننا بسنين ضوئية.
    هل شذرات الاشراق الحضاري التي عاشها أجدادُ أجدادِ أجدادنا قبل ألف عام تخولنا أن نستعلي على إخواننا في الإنسانية؟ أين نحن منهم الآن؟ هم على أعتاب وراثة الإمبراطورية، و نحن لا زلنا نتخبط في جهلنا و انقسامنا و سباتنا، مفاخرنا الوحيدة حدثت قبل قرون، و نختلف بشأنها!
    هنيئا لكم يا كادحي آسيا بدايات الترنح الغربي، الآن اقتربتم من خط النهاية للظفر بالدورة الحضارية القادمة.
  • ». (ديمة عوض)

    الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    شكراً لك، مقالة جميلة...كالعادة.
  • »مديح جميل (عامر التلاوي)

    الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    شكرا للكاتبة المتميزة على مقالهاالرائع
    ابدعت بمديح من اسمتهم (بالضالة) فارتفعت وسمت بمدحهم الى ارقى انواع الوصف والمديح حتى اننا اصبحنا كأننا نراهم امام ناظرينا.
    اندونسيا بلد جميل ورائع يتمنى زيارته الكثير الا ان الشئ الاجمل هم شعبها الرائع التي ابدعت الكاتبه في مدحهم .
    هنالك دائما على الارض ما يستحق الحياة