فقر وشراكة غائبة

تم نشره في الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

بعضهم يتكاثر كالفطر في الارض وتنتشر معاناته وتتسع مع اتساع دائرة الفاقة، وآخرون يعضون على جرح الكرامة وينأون عن السؤال، وهذه مطلقة اودى بها الطلاق الى غياهب الفقر، وتلك طالبة لا تعلم كيف تؤمن رسومها الجامعية للفصل المقبل.

منهم من هو ضحية لازمة اقتصادية وغلاء متصاعد عالميا ومحليا، لكن كثيرين يقعون ضحايا لأزمات اجتماعية ناجمة عن الجهل والتشرد والمخدرات والجريمة.

تفاجأت قبل بضعة ايام من حجم ردود الفعل، التي سمعتها وشاهدتها إثر تقرير عن الفقر قمت بإعداده وبثته فضائية الجزيرة الجمعة الماضية بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفقر، تلك الردود تراوحت بين بكاء زوجة احد الاثرياء حزنا من ألم الصورة التي انطوت على وضع قاسٍ لامرأة في عقدها السادس وشقيقين لا حول لهما ولا قوة، واندفاع مستثمر أردني مقيم في استراليا لتأمين بيت لتلك المرأة، ومعونات بتقديم مدفأة لهذه المحرومة من عشرات الاتصالات، التي بدا من نبرة أصواتهم أنهم متأثرون لوضعها ويسعون إلى تقديم العمل الخيري لها ولغيرها.

المشهد برمته يؤشر على صورة التكافل في البلاد وهي ما تزال بخير، حيث ضمائر الناس يقظة وتتطلع الى فعل الخير، بيد ان واقع اعمال الخير في البلاد يمر بسلسلة عثرات يجب ان تنتهي وتتوقف حتى يتم ردم الفجوة أو تقليصها بين الاغنياء والفقراء.

في تشخيص العثرات، تبدو المظاهر الزائفة والترويج المقصود لصورة العمل الخيري كأحد اخطر امراض هذا النوع من الانشطة، فمن ردود الفعل التي استوقفتني ان عددا من المتبرعين وهم من الشخصيات المحسوبة على السياسة والاقتصاد طلبوا الظهور على الشاشة، وضمن سياق مشابه حدثني احد الاصدقاء ان نائبا تبرع لعائلة بكفالتها وسد حاجاتها بمبلغ مائة دينار شهريا امام كاميرا التلفزيون الاردني، لكن المائة التي دفعها امام الكاميرا كانت الاولى والاخيرة بعد ان اوصد بابه امام تلك العائلة، لتتحمل كفالتها جمعية المركز الاسلامي في وقت لاحق.

وبتجاوز هذا الاستعراض المفضوح في عمل الخير، الذي لا ينسجم والاخلاق أو الدين، فإن الاشكالية الثانية تكمن في تسلل الفساد والواسطة والمحسوبية الى ملف العمل الخيري -الرسمي وغير الرسمي- من خلال توزيع معونات وأموال على من لا يستحقها، ولعل الحكومة تعاني أكثر من غيرها في هذا الشأن، فبينما ينفق صندوق المعونة الوطنية 80 مليون دينار سنويا من خلال تعامله مع 70 الف حالة فقر، فإن نسبة لا يمكن تحديدها كما لا يمكن التقليل من اثرها السلبي تتحول اليها المساعدات دون وجه حق، وذلك من خلال التحايل أو تسجيل اسماء المحتاجين دون التثبت من حقيقة فقرهم.

وفي اتجاه مغاير، يقول مسؤولون في جمعية المركز الاسلامي -التي بسطت الدولة يدها ومضى على نشاطها الخيري اكثر من 45 عاما- ان الجمعية لا تقدم العون للاسر الفقيرة أو الايتام الا من خلال دراسة وبحث الحالة اجتماعيا واقتصاديا وأكثر من مرة، وهي الجمعية التي تكفل نحو 16 الف يتيم وأكثر من 32 الف اسرة فقيرة وتمول دراسة بضعة آلاف من الطلبة الجامعيين عبر المساعدات والاموال التي تتدفق الى الجمعية من المجتمع المدني بكافة فاعلياته بوصفها وسيطا بين من يملك ومن لا يملك.

عدد الفقراء يزيد وظاهرة الفقر تتسع، وفي مواجهة ذلك، يجب ان تتطور طبيعة النشاط الخيري في البلاد وعلاقة المؤسسات ذات الصلة بملاحقة هذه الظاهرة، فبدلا من وضع جمعية المركز الاسلامي امام المدعي العام قبل 27 شهرا، يجب ان تسعى الحكومة الى صهر طاقات مؤسساتها مع طاقات وقدرات باحثي هذه الجمعية الميدانيين وصولا الى أفق تعاوني فيها شراكة حقيقية بين الجانبين لمواجهة الفقر وتداعياته، فمن العبث حل هذه الجمعية أو التقليل من شأنها ومن العبث ايضا عدم دمج قدرات كل المؤسسات الناشطة في مجال العمل الخيري ومساندة الفقراء في بوتقة واحدة، والاستفادة من خبرات وتجارب هذه المؤسسات مجتمعة ومنها صندوق المعونة الوطنية، صندوق الزكاة التابع لوزارة الأوقاف، و56 مركزا لرعاية الايتام والفقراء تابعة لجمعية المركز الاسلامي.

المأسسة تتطلب انشاء بنك للمعلومات عن الفقراء يخضع عمله لتقييس علمي صارم وبما يوثق للخبرة الميدانية التي يحصل عليها الباحثون في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، والمأسسة تقتضي تقديم المساعدات على نحو شفاف وبعد الدراسة والتمحيص وأن يتم الانفاق في اوجهه الصادقة لا تلك المبنية على الخداع والدجل، وأبعد من ذلك، تتطلب المأسسة ان ترتبط كل هذه المؤسسات مجتمعة مع ذراع للمشاريع يتم عبرها نقلها إلى الفقراء من واقع الى واقع آخر وعدم الارتكان الى تقديم الاموال الشهرية فقط لهم.

hassan.shobaki@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا لكاتبنا المبدع ويا حبذا لو يتم تحديد الاسماء (خالد الامين)

    الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    شكرا لكاتبنا المميز حسن الشوبكي وبارك الله فيك,لكن لماذا يا اخ حسن لا تحدد اكثر اين الخلل ومن المسؤول عن هذا الفساد بالاسماء,وتكون هذه الاسماء موثقه بافعالها لتنفضح امام القاصي والداني وشكرا لك مرة اخرى.
  • »جمعية المركز (فقير)

    الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    لا ادري ما الذي يمنع الحكومه من الافراج عن جمعية المركز الاسلامي خاصه بعد ان اصبح واضحاً ان القضيه سياسيه بامتياز و ان المتضرر هم الفقراء .
  • »اضافه نوعيه (حسن المصري)

    الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    مثلما كان التقرير الذي بثته الجزيره مميزاً يأتي هذا المقال ليزيد الموضوع القاً.
    الكاتب الشوبكي اضافه نوعيه و كاتب متميز يحسن اختيار مواضيعه و يحسن عرضها باسلوب سهل ممتنع.
    اهنيء الغد و الجزيره و جمهورهما بهذا الصحفي المميز.