نهاية التاريخ في العام 2020

تم نشره في الاثنين 13 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

يُفترض أن يكون العام 2020، هو العام الذي يكتمل فيه نموذج "اقتصاد السوق الاشتراكي" في الصين، بعد أن تُنجز مهمة إقامة "المجتمع المتناغم"، الذي يحقق الرفاهية والعدالة بين المواطنين، في المرحلة الأخيرة من عملية الإصلاحات التنموية الشاملة، التي بدأت تجلياتها الأولى في العام 1978، وصيغت على شكل نظرية في أواخر العام 1992، وحُدد لها هدف "المجتمع المتناغم"، أي الذي يستفيد كل أفراده من عملية التنمية حين تنعكس إيجابياً على مستوى معيشتهم، في أواخر العام 2006.

كذلك فإن العام 2020 هو العام الذي تفترض توقعات "الخبراء"، بخاصة في الولايات المتحدة، أن يشهد بلوغ الاقتصاد الصيني مرتبة "أكبر اقتصاد في العالم"، متجاوزاً الاقتصادين الياباني والأميركي، اللذين يتقدمان عليه حالياً.

وعلى هذا، فإن الصين التي ظلت تعمل بصمت خلال الثلاثين سنة الماضية، حتى حققت "معجزتها" النهضوية المذهلة، ستكون جاهزة في العام 2020 لتقدم للبشرية ما يُفترض أنه نموذج نهائي لرفاه الفرد والمجتمع، ونجاح الدولة، بعد أن أدخلت تعديلات جوهرية على المدارس الاقتصادية الرئيسية التي عرفها العالم منذ الثورة الصناعية، فنجحت هي، بينما فشلت تلك المدارس!

نذكّر بهذا التطلع الصيني، بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية العالمية-الأميركية، التي أثبتت خطأ مقولة "نهاية التاريخ"، المبشرة بالنموذج الأميركي لليبرالية باعتباره سر سعادة البشرية وخيارها النهائي، وهي التي روّج لها الأميركيون منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، وجعلوا "فوكوياما" واجهتها، بعد أن تبين فشل النموذج الستاليني للماركسية اللينينية في الاتحاد السوفييتي.

كانت نهاية التاريخ الأميركية، إذاً، نهاية متسرّعة، نبعت من فرحة النصر على السوفييت، التي أعمت أبصار الأميركيين عن وجود أمم حية أخرى في هذا العالم! والطريف أن إصرار الزعيم الصيني "دينغ" على صياغة مشروعه النهضوي في نظرية "اقتصاد السوق الاشتراكي"، تزامن مع الدعاية الأميركية لمقولة فوكوياما تلك، وكأن دينغ، الذي كان يومها في السابعة والثمانين من العمر، أراد أن يقول: كلا، التاريخ لم ينته بعد!

قد لا يقول الصينيون في العام 2020 إن البشرية بلغت "نهاية التاريخ"، لكن علينا –نحن العرب- أن نستعد للزمن الصيني القادم، من خلال السعي لـ"مصاحبة" الصين حضارياً، أي إقامة تحالف وثيق معها، نستفيد فيه من منجزاتها، ونضمن به أن تكون البيئة الدولية أكثر ملاءمة لقضايانا مما هو حاصل في "الزمن الأميركي" حالياً. (شرحت مسألة المصاحبة الحضارية في المقال السابق).

 وإذا تأخر هذا الزمن الصيني، أو لم يأت، فإن علينا على الأقل دراسة هذا النموذج الصيني الناجح في التنمية، بعقول منفتحة، من دون ملاحظات غير متزنة كالتي تتحدث عن عدم جواز الأخذ إلا بـ "النموذج الاقتصادي الإسلامي"، لأن فيه خلاصنا وسر سعادتنا، فالحقيقة أن أفكار الإسلام الاقتصادية هي أفكار أخلاقية، لا تختلف أبداً عن فكرة "المجتمع المتناغم" الصينية، من حيث العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وحق الفقير في مال الغني حتى يغنى، وإطلاق حرية الفكر والمبادرة والكسب المشروع، في إطار من المساءلة والمحاسبة وملاحقة الفساد، فالتطبيقات المنسوبة حالياً للإسلام ليست إلا "اجتهادات" بشرية، ووجهات نظر غير مقدسة، ولا يجوز من ثم تسميتها "اقتصاداً إسلامياً".

ثم إن العبرة بالنتائج وتحقيق الغايات، فإذا كان أمامنا نموذج تنموي يمكن أن يساعدنا في الانتقال من حال التخلف إلى التقدم، وينسجم مع الأسس الفلسفية لديننا، ويحقق رسالتنا في إعمار الأرض، فلماذا نمسك عن اتباعه؟!

كل المؤشرات تؤكد أن العالم سيسبقنا إلى الصين، بما في ذلك إسرائيل، بينما نحن نلوك كلاماً فارغاً عن خوف العالم من نهضتنا، من دون أن نخطو لتحقيقها خطوة عملية واحدة!

samer.khair@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تذكير (محمد الأردني)

    الثلاثاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي. أو كما قال رسول الله والإسلام جاء بأعظم الحلول للمشكلة الإقتصادية فيا أهل الألباب والسياسة تذكروا وشكراً لك أخي الكاتب
  • »الاسلام ام الصين ام الاثنين معا (faruq)

    الثلاثاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    اشكر الكاتب على مقاله

    فانا هواي شرقي ابدا

    ظلا يتحفني الغرب رغم ضوءه الاخاذ.

    بالنسبة للتطبيقات الاقتصادية الاسلامية

    فليست كلها اجتهادات فردية غير مقدسة فهناك قواعدلا بد من الالتزام بها وهذه غير قابلة للاجتهاد مثل تحريم الربا ووجوب الزكاة وتحريم المكوس وتحريم الغبن وحرية التملك المطلق دون قيود بعد تادية مرتبات الشرع.
    بعض هذه القضايا قد يتلاقى مع الاشتراكية بلا شك واحيانا يتقاطع مع الرأسمالية ولكنه من تشريع الاسلام الذي سبق الاثنين معا.
    علينا ان نعتز باسلامنا والاقتصاد الاسلامي ولا نغمطه حقه وفي نفس الوقت نكون ديناميكيين في الامور الاجتهادية وشكرا.
  • »ملاحظة.... (حسام احمد)

    الاثنين 13 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    اشكرك على المقال والدعوة الى الاخذ بالنموذج الصيني وغيره في التنمية وتعميم المكتسبات...
    حسب تقرير صندوق النقد الدولي (NMF) فان الناتج المحلي الاجمالي للصين في عام 2007 فاق ما مجموعه6 تريليونات دولار امريكي اي مايقارب ضعف الناتج الاجمالي لليابان!!! الصين تملك ثاني اكبر اقتصادومعدل نمو عال... من يدري ربما تصبح الاولى قبل عام 2020؟؟؟
  • »افكار الا سلام الاقتصادية (أبو أسامة)

    الاثنين 13 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    الاسلام ليس تنظير فقط ولا اخلاق فقط بل هو نظام اسلامي اقتصادي اجتماعي سياسي حضاري ناجح .. ليس هذا الكلام بالاماني بل الواقع يشهد ان الاقتصاد الاسلامي هو الذي نجا من زلزال الازمة العالمية الحالية .
    يوميا نسمع تصريحات من الغرب من رجالات مختلفين في ان النظام الاسلامي هو الذي يحل المشاكل .. فما رايك ؟؟
    اما النظام الصيني فهو كغيره من الانظمة سيعيش فترة انتعاش لا ندري كم تطول ثم يعود للانكماش بسبب قد لا يظهر لنا الآن . وكلامك بضرورة الأخذ بالنظام الصيني قال مثله من طالبنا سابقا بالأخذ بالنظام الغربي الحالي وها هي النتيجة امامنا ازمات تلد ازمات ..

    الصحيح ولا يصح غيره ان الاستفادة كما ذكرت مطلوبه ولكن ليس التخبط مرة هذا ا لمنهج ومرة ذاك بل العودة للنبع ..