مجالس ومدارس

تم نشره في الأحد 12 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

المجالس مدارس، هكذا يقول الأردنيون، ولأجل هذا حرص الآباء دوما على أن يأخذوا أولادهم معهم لمجالس الرجال. في العيد وبعده، أتاحت لنا جملة من الجولات للسلام لأجل المعايدة أو المباركة مما اتاح  سماع الكثير من الحكم والمواقف التي تصلح لان تقدم درساً في الاعتبار والإدراك وحب البلد.

الملاحظة الاجتماعية كانت غنية ودالة، البعض يقول فلان عندما زوج ابنه أو فقد احد أولاده أو أمه وهو في السلطة -يعني الوظيفة العامة- لم ينقطع عنه أردني، والآن وهو خارج الوظيفة في العيد ما كان عنده أكثر من خمسه رجال، وهذا صحيح، والبعض ممن خرجوا من دور عام كان حضور الناس عندهم في المنزل داعمين لهم ومقدرين لما أدّوه من خدمة للوطن أكثر مما كان لغيرهم يوم كانوا في أوج نفوذهم، وهذا صحيح، فالحكمة التراثية تقول: إن للأسد هيبة في مماته ليست للكلب في حياته.

يختصر الأردنيون في حديث المجالس حال بلدهم، حديثا عن التعديل الحكومي؛ البعض قال إن وزارة الخارجية: "واقفة" والآخرون يتداولون أسماء في بورصة التعديل الحكومي، ومديرون قيل إنهم أقيلوا في الأمانة بشكل ثأري وثمة كلام عن تأخر إعلان مخططات التنظيم للأرضي في الأمانة وان هناك مساعد مدير لشؤون النقل كندي يدرس طريقة استخدامنا للطرق وكيفية تجنب الأزمات، لكن هذا الحديث بقدر ما يشكل مجالاً للفحص والتقييم والدراسة من منظور سوسيولوجي، فإنه أيضا يستدعي من الحكومة الحسم في بعض القضايا التي يثيرها محدثو المجالس، فخزانة الأدب العربي تقول: "إن ألسنة الخلق هي أقلام  الحق".

في احد المجالس حضر الباشا المتقاعد علي سلامة الخالدي أمده الله بالصحة قال: كنت أفكر نفسي أكثر الناس إخلاصا للدولة، ولم أُعدَ نفسي للتقاعد أبداً، لكني سعيد بتاريخي وخدمتي وفي بيت الشعر الذي انصبه على الحدّ الشرقي، أما الباشا فلاح العضايلة حفظه الله الذي عمل في الميدان مدة طويلة شرقا، قال لم اعتد أن أرسل أولادي للمدرسة في سيارة خاصة، ولذا بعد التقاعد لم اشعر أنا وأسرتي بكبير تغير، إلا أن الاثنين اجمعا على أن الهمة تخف بعد التقاعد وهذا طبيعي، لكن فلاح باشا بدا مشغولا بقضايا مجتمعية لمتقاعدين من الكرك، وهو يسعى لحل مشكلة احتساب سنوات خدمة  لهم، وهذا من فيض الحب الأردني ما بين القلب والقلب.

في الكرك أول من أمس وبحضور أصدقاء إعلاميين سئلنا عن أخبار عمان، تحدث أصدقائي من أهل عمان عند مضيفنا أبو الرائد الشيخ احمد المبيضين، عن البورصة وخسارة عجلون لنحو 19 مليونا، وفي حديث الخسائر بدت جرش واربد أكثر المناطق خسارة، وبقدر ما يسترسل المحدثون في أمر المال، فقد رد علينا أهل الدار أن حديثنا عن البورصة لا يعنيهم، مع ضمان حرية الخيار في ذلك.

المهم في ملاحظة الحديث، أن الأردنيين لم تعد تدهشهم الأرقام المالية، فذكر كلمة مليون في قرى وادعة من مثل بتير أو الثنية أو بُرما أو زحوم أو دير القن أو رحمة كانت تحير الناس سابقاً بعدد أصفارها، صارت اليوم مثل "فراطة الخمسة دنانير".

في عزاء آل النعيمات في خلدا يوم أول من أمس، الاقتصاد حاضر ايضا، تحدث احد الوجهاء بأن أميركا ليس لديها أزمة، فهي برأيه تطبع بقدر ما يحلو لها من ورق النقد، وأسهب بأن برميل النفط نزل إلى 83 دولارا. وفي عزاء آخر، قلت لصديقي د. ايمن حداد زمان كان الآباء يحذرونا من هزة فنجان القهوة أو قول كلمة دايمة، اليوم لا يعني ذلك شيئا، ففريق الخدم من مكاتب الخيم والمناسبات -وجلهم سودانيون- لا يعرفون بالأمر شيئا، وحين يصب لك القهوة لا يلتفت إليك، في حين زمان يوم كنا نضيف بأنفسنا مُعزينا كانت عيوننا بأعينهم، أما اليوم فالمسألة لا تتعدى مجرد الحضور.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غياب المجالس المشتركة (عمر شاهين)

    الأحد 12 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    من المؤلم حقا انعزال الشباب عن المجالس المشتركة . فاليوم يلتقون في المقاهي الخاصة بعيدين عن الاجتماع مع الفئات العمرية التبادل الخبرة وهذا ما تلحظه أنت دكتور لأنه غيب الثقافة الشفهية التي كان يعلمها الآباء للأبناء . وهذا لا يؤثر فقط على الشباب بل على المجتمع ككل فلم يعد الناس يلتقون ويتبادلون الأحاديث غابت المقاهي الشعبية وصارت مكانها مقاهي باهظة الثمن معزولة الطاولات والمحدث فيها كمبيوتر يطلق حتى أغاني لا تناسب سوى فئات معينة وتفرقت المساكن ولا تجد التجمعات سوى في حالات العزاء التي غالبا يقطعها صوت شيخ يريد أن يطلق علينا خطبة عصماء ودعاء لا ينتهي أو حالة الأفراح ولكن ضجيج السماعات في الغالب يمنعك أن تتحدث مع غيرك سوى عبر لغة الإشارات وأنا لا أقصد الحديث الشخصي مثل استعمال الهاتف بل أحاديث المجالس التي ضاعت . وخسرنا منها دروس وتبادل خبرات .