محمد أبو رمان

تقرير "التعذيب في السجون": الإصلاح هو الحل

تم نشره في الخميس 9 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

يُحسب للحكومة والأجهزة المعنية السماح لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية (هيومن رايتس ووتش) بزيارة السجون والاطلاع على أوضاع السجناء ورصد الانتهاكات والتعذيب والإساءة في المعاملة. ولم تقف المساعدة الحكومية عند ذلك، بل شملت تعاون الضباط المسؤولين مع مراقبي المؤسسة والإجابة عن تساؤلاتهم، وهو ما دفع بالتقرير إلى الإشادة بهذا التعاون والانفتاح.

لعل أبرز ملاحظة يشير لها التقرير تتمثل بوجود قرار سياسي عالي المستوى بإصلاح السجون وتحسين أوضاع السجناء وتجريم التعذيب والحد من إساءة المعاملة، إلاّ أنّ هذا القرار لم ينعكس بعد على الواقع الفعلي في السجون، إذ تستمر حالات التعذيب وإساءة المعاملة بصورة "روتينية".

وعلى الرغم من إقرار معدي التقرير أنّ التعذيب الواقع لا يمثل "سياسة ممنهجة" أو مرسومة من قبل الدولة. لكنه، في المحصلة، يبقى مسؤولية الحكومة وأجهزتها المعنية.

من القضايا المهمة التي يثيرها التقرير ما يسمى بـ"سجن موقر2" وهو سجن جديد صُمّم "لاستضافة النزلاء الذين يتسمون بالعنف"، ما يشير غالباً إلى "أبناء التنظيمات الإسلامية الراديكالية"، ويحتوي على 240 زنزانة انفرادية. ويشير التقرير إلى أنّ هذا النوع من السجون قد تمّ التخلي عنه في الولايات المتحدة نفسها، قبل عشرين عاماً، بعد أن تمّ بناؤها هناك، بعد أن تبين الأثر السلبي للحبس الانفرادي على السجناء.

ويشير التقرير، أيضاً، إلى عدم وجود برامج تدريبية حقيقية للموظفين العاملين في السجون في التعامل الإنساني والسلطة القانونية في التعامل مع السجناء، بدلاً من ذلك يثبّت التقرير مشاركة عدد من مديري السجون في حملات تعذيب للسجناء، وغياب العقوبات الرادعة للتعذيب.

التوصيات التي يخرج بها التقرير تمثل حجر الأساس في اعتماد استراتيجية وطنية للحد من التعذيب بصورة خاصة وإصلاح السجون بصورة عامة. البند الأول في ذلك يتمثل بوضع السجون تحت "الإشراف القضائي" المدني الكامل، وفي صميم ذلك يدفع التقرير بعدم اختصاص محاكم الشرطة والأمن بالنظر في قضايا التعذيب، ووضع هذه القضايا في ولاية وزارة العدل.

يمكن أن نضيف إلى توصيات التقرير ضرورة إعادة التنسيق الكامل بين المركز الوطني لحقوق الإنسان وبين إدارات السجون، وتعميم تجربة افتتاح مكتب للمركز الوطني في السجون الكبيرة، مع أهمية وجود بنود قانونية تضمن التعاون الإلزامي مع موظفي المركز، وتمنح تقريرهم وتوصياتهم طابعاً إدارياً في تقييم السجون ومحاسبة إداراتها.

هذا التقرير يطرح مرة أخرى، وبصورة حيوية، ملف السجون. ولعلّ التعذيب يمثل محوراً واحداً من محاور الموضوع، وهنالك العديد من القضايا الأخرى التي تستحق الاهتمام والتركيز عليها خلال المرحلة القادمة، لتجسير الفجوة الواسعة بين وجود رغبة سياسية عليا بتحسين أوضاع السجون وبين بقاء الحال على ما هي عليه، دون تطوير وإصلاح نوعي ملموس.

الملاحظة المهمة التي يمكن التقاطها، من خبرة السنوات السابقة، وكذلك من مسار التنظيمات الإسلامية المتشددة، تتمثل في أنّ السجون لم تكتسب مصداقية من اسمها بعد باعتبارها "مراكز للإصلاح والتأهيل"، بل باتت مراكز للتجنيد على الجرائم، وأصبحت "حاضنات" فكرية وروحية لدى الجماعات المتشددة، التي يكتسب أفرادها قوة كبيرة وحضوراً داخل السجن، في ظل الفراغ الروحي الذي يشعر به السجناء من ناحية، وضعف الجانب الثقافي والإصلاحي في برامج السجون من ناحية أخرى.

لم تتضح بعد مخرجات قرار إدارة السجون بالتعاون مع وعاظ ومفتين للتأثير على ذوي الميول الإسلامية المتشددة، إلاّ أنّ هذا القرار لن يكون مثمراً ومفيداً ما لم يكن ضمن استراتيجة متكاملة محددة المراحل تتضمن تحسين البنية التحتية بصورة نوعية من شبكة الصرف صحي ومرافق في الغرف والساحات، وتزويد السجون بمكتبات ووضع برامج ثقافية ونفسية مدروسة تهدف إلى تأهيل السجناء للعودة إلى الحياة العامة.

ما هو أهم من ذلك تبني برنامج للإصلاح الاجتماعي، الذي من المفترض أن يتولى المسؤولية الكبرى في مهمات السجون وأهدافها، ويشرف عليه خبراء متخصصون في هذا المجال مع وجود مكاتب متخصصة داخل السجن تتابع الأوضاع النفسية والبيئة الاجتماعية داخل السجن.

الخلاصة الجوهرية من هذا التقرير والتقارير السابقة حول السجون للنقابات المهنية، ومنظمات حقوق الإنسان، وتقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان (عندما كان في عهدة أحمد عبيدات) أنّ القناعة التي يجب أن تتكرس لتصبح بمثابة العقيدة العملية لدى القائمين على السجون والعاملين فيها، وتصبح كذلك حجر الأساس في وضع استراتيجية وطنية بهذا الخصوص، تتمثل في ضرورة أنسنة الأوضاع داخل السجون، واعتماد مبدأ "الإصلاح هو الحل"، واعتبار التعذيب جريمة يحاسب عليها القانون.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خرج كما دخل (عمر شاهين)

    الخميس 9 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    ليس لدي معلومات حول تقرير هذا المنظمة كي أنقده أو أؤيده فلم أكن من الذين دعوا لزيارة السجون التي نظمتها وزارة الداخلية العام الماضي ولا أؤمن في الزيارات المنسقة مسبقا ولكني اشد على نهاية مقالك أن الإصلاح هو الحل فان خرج السجين مجرما كما كان فلم نستفد من عقوبته ولا حجزه بل يجب أن تكون السجون مكانا لإصلاح النفس وإعادة تقويمها واشراكها