فوضى النظام الغذائي العالمي

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

النظام الغذائي العالمي يعاني من فوضى شاملة. فمنذ أربعة أعوام انعكس الاتجاه الذي ظل سائداً طيلة ثلاثين عاماً نحو تناقص أسعار الغذاء. فتجاوزت الزيادة في أسعار الحبوب الضعف منذ العام 2004، كما ارتفعت أسعار أغلب الأغذية الأخرى بصورة كبيرة. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الإدارة الرديئة للموارد الطبيعية، والتأثيرات السلبية الناشئة الناجمة عن تغير المناخ، والارتفاع الحاد الذي سجلته أسعار المخصبات والطاقة، فلسوف نجد أنفسنا في مواجهة الأزمة الغذائية العالمية الأعظم شدة منذ بداية سبعينيات القرن العشرين.

إن الارتفاعات الهائلة في الأسعار تعكس عدة عوامل: المناخ غير المواتي في مناطق إنتاج الغذاء الرئيسية، والزيادة السريعة في الطلب على اللحوم ومنتجات الألبان، وارتفاع أسعار النفط، واستنفاد المخزون من الغذاء، واستخدام المزيد من المحاصيل الغذائية في تصنيع الوقود الحيوي، والتقاعس عن الاستثمار في البنية الأساسية الريفية والأبحاث والتكنولوجيا وغير ذلك من المنافع العامة المطلوبة لتيسير النمو الزراعي في البلدان النامية. ولقد أدى هذا الارتفاع الجنوني في أسعار الغذاء إلى تضاعف أعداد الجوعى بين الفقراء، وتراجع القدرة الشرائية بين غير الفقراء، فضلاً عن اندلاع أعمال الشغب المرتبطة بالمطالبة بالغذاء في أكثر من ثلاثين دولة.

الدرس الرئيسي الذي يتعين علينا أن نستوعبه هنا هو أن الاستثمار غير الكافي في العلوم والسياسات الحكومية غير الملائمة من بين الأسباب التي أدت إلى أزمة الغذاء. ولكي نتجنب هذه النقائص في المستقبل فلابد من مساعدة مزارعي العالم ومنتجي الغذاء على إنتاج المزيد من الغذاء لتغطية الطلب المتزايد الناتج عن نمو تعداد سكان العالم ودخولهم. فضلاً عن ذلك فإن المزارعين مطالبون بإنتاج المزيد من الغذاء على مساحات أقل من الأرض وبكميات أقل من مياه الري، وبأسعار معقولة، وبدون الإضرار بالموارد الطبيعية أو التسبب في التعجيل بتغير المناخ.

ولكن هل تستوعب الحكومات هذه الرسالة؟ أظن ذلك. فالجوع ليس بالظاهرة الحديثة، ولكن ما دام الفقراء في الريف يتحملونه في صمت، كما فعلوا لقرون من الزمان، فإن الحكومات تتجاهله بارتياح. أما أعمال الشغب من جانب سكان الحضر فإنها تهدد أكثر ما تنشغل به الحكومات: ألا وهو شرعيتها.

تستثمر الدول النامية ما يزيد قليلاً على 0.5% من قيمة منتجاتها الزراعية في الأبحاث الزراعية. وهذه نسبة ضئيلة للغاية. والمطلوب أن تزيد هذه النسبة إلى 2% على الأقل. ورغم ذلك ستظل هذه النسبة أقل مما تستثمره البلدان عالية الدخل في الأبحاث الزراعية.

يتعين على العلوم الحديثة أن تركز على الزيادة المستدامة في إنتاجية الأراضي ومياه الري، وإدارة المجازفة المرتبطة بالإنتاج نتيجة للجفاف والفيضانات والأوبئة الحشرية، وتخفيف التأثيرات المترتبة على تغير المناخ والتأقلم معها. ومن بين التكنولوجيات المطلوبة على سبيل المثال لا الحصر، إنتاج المحاصيل المقاومة للجفاف والحشرات، وتربية الحيوانات الداجنة المقاومة للأمراض، واعتماد أنظمة الإنتاج الزراعي ذات الحصيلة العالية والتي تستخدم كميات أقل من مياه الري وتستخلص النيتروجين من الهواء.

والأمر يحتاج أيضاً إلى المزيد من الأبحاث لتحسين الجودة الغذائية للأطعمة الرئيسية من خلال تعزيزها بالحديد، وفيتامين أ، والزنك للمساعدة في علاج نقص الفيتامينات والمعادن. يتعين علينا أيضاً أن نعزز من سلامة الغذاء بداية من مرحلة الإنتاج وحتى الاستهلاك، بما في ذلك تحسين فهمنا للتفاعل بين النظام الغذائي والصحة البشرية، وبصورة خاصة الأمراض التي تنتقل من الحيوان إلى الإنسان وتأثيرات المبيدات الحشرية. ومن بين أهم الأولويات أيضاً إجراء الأبحاث اللازمة للتوصل إلى مصادر بديلة للطاقة لوقف تحويل محاصيل الذرة وفول الصويا وغير ذلك من المحاصيل الغذائية إلى وقود حيوي.

يعيش أغلب المعرضين لخطر الجوع وسوء التغذية في المناطق الريفية. وهم يحتاجون إلى الوصول إلى الطرق، والأسواق، والمؤسسات اللائقة والتكنولوجيا، والرعاية الصحية الأولية، والتعليم، حتى يتسنى لهم الإفلات من قبضة الفقر والجوع ويتمكنوا من إنتاج المزيد من الغذاء لسكان العالم المتزايدين عدداً واستهلاكاً. وتوفير كل هذه المتطلبات يستلزم المزيد من الاستثمارات العامة والخاصة.

إن التحرك الحكومي مطلوب لتفعيل دور السوق في البلدان النامية ولمنح المزارعين وعملاء الأسواق الفرصة للوصول إلى المعرفة والتقنيات اللائقة. ولكن مما يدعو للأسف أن الهبوط السريع لأسعار الغذاء طيلة ثلاثين عاماً منذ انتهت أزمة الغذاء في أوائل سبعينيات القرن العشرين أعطى الحكومات العذر لبذل أقل القليل من الجهد في هذا السياق.

والتخطيط الحكومي العام مطلوب في العديد من المناطق الأخرى، بما في ذلك التشريعات اللازمة لدمج التكاليف البيئية في أسعار الغذاء، وبالتالي تشجيع الإنتاج المستدام، علاوة على الحوافز والتنظيمات اللازمة لتعزيز الاستخدام الكفؤ لمياه الري. ولابد من تطبيق معايير السلامة الحيوية الوطنية والدولية لتوجيه التنمية واستخدام التقنيات الحديثة والمحاصيل الغذائية المعدلة وراثياً. ولابد أيضاً من وقف معونات الدعم الحكومية التي تتسبب في ارتفاع معدلات استخدام المحاصيل الغذائية، مثل الذرة وفول الصويا وزيت النخيل، لإنتاج الوقود الحيوي.

الأمر يحتاج أيضاً إلى المؤسسات الدولية لتنظيم العولمة وضمان المنافسة التجارية. ولابد من إلغاء السياسات الزراعية المشوهة للتجارة، بما في ذلك السياسات التي تتبناها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان. وبينما ندرك أن تقليص الفقر يشكل الوسيلة الأمثل لتخفيض معدلات الخصوبة والإنجاب، فلا ينبغي لنا أن ننسى أن الحصول على سبل رعاية الصحة الإنجابية يشكل أهمية عظمى فيما يتصل بمساعدة الأسر على تنظيم نسلها لإنجاب العدد المرغوب من الأبناء.

إن الموارد الطبيعية في العالم كافية لإنتاج الغذاء المطلوب في المستقبل المنظور ودون الإضرار بالبيئة، ولكن لن يتسنى للبشر تحقيق هذه الغاية إلا إذا انتهجت الحكومات سياسات مستنيرة واستعانت بالعلم في إنتاج الغذاء.

* أستاذ الغذاء والتغذية والتخطيط العام بجامعة كورنيل، وأستاذ اقتصاد التنمية بجامعة كوبنهاغن في الدنمرك.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت،

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أزمة الغداء... (مصطفى محمد العمري)

    الثلاثاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    شكرا للكاتب بير بينستروب أندرسون- من جامعة كوبنهاغن على مقالة فوضى النظام الغذائي العالمي , طبعا لا أحد ينكر أن الفوضى القائمة ألان في الغذاء تشهد ذروتها وربما تكون في الغد أكثر من اليوم, حيث كلما تقدمت التكنولوجيا التي يعتقد البعض والمنطق السليم أيضا أنها يجب أن تحل مشاكل الغذاء يكون التناقض الجديد بين الحضارة وكيفية جعلها الإنسان سعيد في تناقض , أن زيادة الأسعار ربما تكون أهون من الأزمة الحقيقية التي ربما تكون في طريقها إلى العالم وخاصة العالم العربي , حيث عندما نتحدث عن أزمة الطاقة وما تحتويه من مفهوم مرتبط اشد الارتباط نجد إنهما علمان لا يتفقان ولا يرتبطان , حيث ان برميل النفط كافي لان يغير أزمة الغذاء ومشروع الطاقة الحرة كافية لان تنهي أزمة الغذاء أيضا , بعض الدول الضخمة إن غيرت في إستراتيجيتها ربما تتغير أزمة الغذاء , حيث تخيل سكان الصين شعروا أنهم بحاجة إلى وجبة ثالثة بعد كانت تكفيهم وجبتين تلاحظ أن العالم يريد مزيد من الوجبات تقدر بمليار وجبة في العالم زيادة على ما كانت عليه في السابق علما أن الصين لديها دور فاعل في المحافظة على أسعار الغذاء , وهنا الجوهرة الرئيسية حيث أن البعض لم يدرك حجم المشكلة ويخلط ما بين أسعار الغذاء ومشكلة الغذاء , هناك طبعا بعض الدول تبحث عن كيفية تنوع الغذاء على المائدة وكمية السعرات الحرارية والكرسترول أن أي اختلال فيهما وتعتبرها أزمة غذائية وهناك من الشعوب تعتبر أزمة الغذاء عدم وصول الغذاء بشكل الملائم وهناك شعوب تجد أن أزمة الغذاء هي عدم وجود الغذاء وهي المشكلة الجوهرية التي نبحث في حلها وليس سابقاتها , حيث في سنة من السنوات وعندما انخفضت أسعار القمح في الولايات المتحدة الأمريكية واعتبرتها أزمة غذائية كان منها أن بادرت بإلقاء هذه القمح الذي كان يتمنى بعض الإفريقيين يروا يكون شكل هذا القمح . أن حل المشكلات هذه ربما تكون مسؤولية الحكومات حيث عندما يتوجه السكان من الأرياف التي تحتضن الزراعة إلى العاصمة التي يتوفر فيها كافة الخدمات نرى أنه حق مشروع لديهم .
    في الصين التي لديها مشاكل عظمى في السكان والتي لا تسمح لشعبها بإنجاب أكثر من طفل واحد سمحت للقاطنين في القرى بإنجاب طفلين وثلاث وأربعة حيث أنها أدركت أن هذا الإنسان سوف يساعد ما دام في القرية أكثر من أن يكون عاله على الحكومة .
    الخطر الحقيقي هو أن أزمة الغذاء بدأت تطال الدول المتقدمة التي تنذر بإخطار منها ارتفاع الأسعار وطبعا تكون مشكلة كبيرة عندما تطال الدول التي تعاني من نقص في الغذاء وارتفاع الأسعار الذي يمكن فقط من الطبقة الرأسمالية من الاستفادة من كمية الطعام المتبقي أضف إلى ذلك انعدام المساعدات التي تقدم إلى الدول الفقيرة من هذه الدول العظمة .
    طبعا من الأخطاء التي أتبعتها الدول النامية وهو اتجه وطموح أغلب الدول النامية منذ الاستقلال لتحقيق التنمية نحو التصنيع باعتباره مرادفا للتقدم، فوقعت في خطأ فادح هو إهمال التنمية الزراعية والتركيز على إنشاء بعض الوحدات الصناعية التي تعتبرها معبرا بالاقتصاد الوطني من حالة التخلف التي ورثها من الحقبة الاستعمارية.