زليخة أبوريشة

غرفة للمرأة وحدها

تم نشره في الثلاثاء 30 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

 عندما كتبت فيرجينيا وولف "الكاتبة النسوية البريطانية" كتابها "A Room of One's own" لم يخطر ببالها ان أطروحتها الاساسية فيه ستدخل دهاليز اللغات الاخرى وميول اهلها الممنهجة في اضطهاد النساء، وان قولها بأن يكون للمرأة في بيتها حيز خاص بها اصبح بقدرة قادر، بل قادرة- ان يكون "للمرء غرفته الخاصة"!! ذلك ان اللغة الانجليزية التي يتسع صدرها او لديها السلطة اللازمة لتمويه الوجود الجندري "أي المؤنث والمذكر", قد خذلتها، لا العربية التي تنقسم من حيث التأنيث والتذكير نصفين متعادلين متساويين "باستثناء مفردات قليلة كالحروف التي ليس لها جنس، وبعض اسماء الافعال"، بل خذلتها المترجمة العربية التي ارادت في حرف العنوان الى "غرفة تخص المرء وحده" "ترجمة سمية رمضان، المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة, 1999"، ليصل خطاب وولف الى الذكور ويعمم عليهم ايضا، مع ان وولف لم ترد ذلك، وكانت تطلق بكتابها هذا مامنفيستو الحركة النقدية النسوية في القرن العشرين.

واذا كانت تتحدث عن المرأة والكتابة - او هكذا طلب اليها - فإنها بدأت بالحديث عن ضرورة الحيّز المستقل المكاني للمرأة، من اجل ان تستطيع ان تكتب "فمن دون هذا الحيز الخاص لن يكون للمرأة التي لديها ذات متشوقة للكتابة ان تكرس هذا الذات لتغدو كاتبة".

بل ان ضغط المكان بانفلاشه وتعدده وتعذر تمحوره لن يؤدي إلا الى امرأة عازفة عن شغفها، وهي تظن ان الموهبة قد فرت منها. وقد تحيل هذا العزوف الى انشغالاتها بالبيت والاطفال.. وهو جزئيا صحيح، ولكن الأصح - في رأيي- ان هذه المرأة "او بالأحرى ثقافتها وثقافة مجتمعها" لم تنتبه مبكراً الى ضرورة تأمين الحيز المكاني الخاص بها وحدها. اي الصومعة الصغيرة التي ترتب فيها شواغلها ومفرداتها، وتطبخ فيها لنفسها الافكار والمعاني، وتتذوقها على مهل، من دون ان تقرقع فوق رأسها المنشغل هتافات الملاعب على شاشة التلفاز، وضوضاء مسلسلات الصغار والكبار المفضلة.

والمكان الخاص بالمرأة في عقر دارها ليس ترفاً. فنحن نستطيع ان نرى ان بيوت البورجوازية وقصورها- قديمها وحديثها - وفي جميع درجاتها، لا تمنح هذه الفكرة ولا حتى أدنى اعتبار.

وإذا كانت هندسة البيوت في مجتمع ما تخضع لاحتياجات ناس هذا المجتمع (كأن يكون لازما او غير لازم ان يكون في تصميم البيت صالون للضيوف مغلق او مفتوح، او غرفة طعام خاصة بالضيوف، او ان يكون ثمة حرملك وسلاملك، او ان يكون البيت بأسوار عالية كالقلاع او معتدلة او بلا أسوار اصلاً) التي تقر وفق فلسفتها وما يتبلور في ضوئها من حاجات، فإن ناس المجتمع الانساني لم يفكر اصلاً بأن المرأة - هذه الشريكة الاساسية في إنجاب الحياة وإعمار الأرض- تحتاج الى حيزها الخاص. فما بالك إذا كانت كاتبة؟!

نعم، ليست كل امرأة كاتبة او فنانة مبدعة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، ولكن كل امرأة تحتاج في إطار الممكن الى حيزها، الى معتكفها ان شئنا القول - بحيث تمارس في هذا المعتكف اتصالها الخاص بروح الارض وروح العالم، وتنقية نفسها وأعضائها مما يعلق فيها من غبار الجري في الحياة او وراءها "كأنها ستفر منها؟!" تحتاج المرأة ان تجعل من مكانها ملجأ من غضب عاصف او عارض تهدئ فيها رأسها، او من حزن عميق او عابر تربت هي بنفسها على نفسها منه... ومكاناً للتأمل والتنفس العميق الذي يذهب بالتوتر.

وإني لأتخيل هذه المرأة وقد اختارت ركناً قصياً من البيت "كأن تكون شرفة مزججة"، وملأتها حتماً بأنواع النباتات الخضراء المتسلقة والمتدلية والواقفة مثلها وحدها، مع شجيرات صبّار بأنواعها تلك التي ستمنحها حكمة النضال والانتصار للحياة. فالمرأة تحتاج ان ترفو ما تهتك من روحها في صراع البقاء الذي تعبره - راضية او مرغمة - في مكانها شبه السري هذا، حيث يحرم على كل أحد او هتك حرمته. فلا الزوج يملك الزوجة اصلاً- فيما نؤمن به وندعو اليه- حتى يعبث بمتاعها "كما يقدر كثيرون ان يعبثوا بها روحاً وجسداً"، والابناء والبنات يقدرون كذلك باعتبار ان على الام ان تكون متوافرة في حياتهم وبرغباتهم في كل آن.

هي الحديقة السرية اذن، لا الموقع المادي فحسب، التي تحتاج كل امرأة ان تفيء اليها، لتنكث ارضها وتحرر النباتات الضارة من التصاقها بتراب عقلها وقلبها، وتسقي عطشها الخاص الى المعرفة، ثم هناك تعري من دون خجل او ارتباك جميع قدراتها لتحررها بدورها من الازياء الضيقة الخانقة او الفضفاضة المذلة، وتتحاور معها وتتعرف اليها..

إنها إذن... غرفة للمرأة وحدها.

zulayka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جميل (احمد)

    الخميس 2 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    جميل
  • »مسكينه هذه المراه ام قويه هذه المراه ؟ (بشير ابوالذهب)

    الثلاثاء 30 أيلول / سبتمبر 2008.
    اصبحت اشفق عليها لكثره من وصفها بالضعيفه والمستكانه ..لا لا لم اشفق عليها انها قويه جدا واقوى من الرجال احيانا ...

    هل المرأه من صنف واحد وحال واحد ؟ هل نكتب ونعلق على نوع واحد من النساء ام هن اصنافا كثيره ؟ الحقيقه ان المرأه انواع واشكال وحالات متعدده وكثيره ..

    هناك المرأه القويه المعتده بنفسها
    وهناك المراه الساذجه
    وهناك المرأه المسكينه
    وهناك المرأه البسيطه في فكرها
    وهناك وهناك ...

    هذا يوصلنا لنتيجه باننا عندما نكتب ونتحدث عن المرأه لا يجوز ان نتحدث عنها وكانها حال واحده او انها على شاكله متشابهه ..

    اذن عندما نتحدث ونكتب ونعلق يجب ان نذكر عن اي حال او شاكله من النساء نتحدث .

    وفي الختام يجب ان نذكر وللحقيقه بان المرأه اخذه بالانتقال من مرحله المرأه المسكينه البسيطه الى مرحله المرأه المعتده بنفسها وكما ندعوها بان لا تنجر الى مرحله السذاجه وان تكون حذره جدا .
  • »العلم (بنت الصحراء.......... والقصور)

    الثلاثاء 30 أيلول / سبتمبر 2008.
    لقد أسمعت لو ناديت حيا
    ولكن لا حباة لمن تنادين
  • »بموت الزمار واصابعه بتلعب (سهاد)

    الثلاثاء 30 أيلول / سبتمبر 2008.
    مابعرف كيف فات كاتبه عظيمه زي زليخه بلغت ان كلمة "جندر gender" غير قابله للصرف وطلعت معها جندري؟؟

    ولا ادري لماذا وضعتنا في زاوية مظلمه وتصر على اعطائنا حيز طيق صغير في مملكتنا؟؟
    ان منزلي هو مملكتي فلماذا احصر نفسي في شق ضيق فيه؟
    ان كل منزلي هو متصرفي وايجاد شق للرجل هو محاوله منه لايجاد مكان خلص له خاص به في داخل اسوار مملكتي
    لماذا تصر زليخه على شرنقتنا في عالمنا الواسع
    الا تدري بان التحرر الذي تنادي به هو العبودية نفسها؟؟
    عبويدة للجنس والفكر المسموم واللهاث محاولة للاحاق بالرجل في عالم الرجل
    قد يكون الشتاء قادم لمعظمنا
    لكن لزليخه فالخريف مضى وحال الشتاء ولم يبق على الاشجار غير جلدها السميك وجوفها الفارغ
  • »ليعترفو أولا بضرورة إنفراد المرأه بذاتها (سندس داود)

    الثلاثاء 30 أيلول / سبتمبر 2008.
    تعتبر المحافظه على مساحه خاصه من الحريه أو الانفراد بالذات ضروره صحيه لكلا الجنسين. والضروره الصحيه تتضمن الصحه النفسيه و العقليه. ويأتي الانفرد بالذات باشكال عده. ومن ضمن قرأتي لمصادر مختلفه أدركت أن حالة التأمل التي قد تمارسها المرأه خلال انفرادها بذاتها من شأنها أن توطد علاقتها مع ذاتها و تجعلها قادره على استجماع طاقتها من جديد. كما أن أقصى حالات الابداع تحتاج أحيانا لوقفه مع الذات أو إنصهار روحي يولد حالة من الاشتعال والتوهج. و الابداع لايتناول القدره على الكتابه فقط وانما له تجليات عده قد تصل إلى أبسطها كطريقة ترتيب المنزل. الانفراد بالذات يولد لدى المرأه شعور بالاستقلاليه الفكريه والحسيه مما يؤكد على شعورها بامتلاك نفسها. إن المرأه حبيسة الظروف ، المجتمع، و مسلوبة الاراده غير القادره على ألشعور بنفسها وإدراك أهميتها هي دلاله على فشل مجتمع بكامله لانه أمعن في إهماله للمرأه حتى فقدت نفسها في زحام الحياه ومتطلبات المحيط، و لم يتسنى لها وقت كاف لتنسجم مع ذاتها. قد يرى البعض أن طرح هذا الموضوع هو ضرب من المبالغه إلا أن التجربه العمليه اثبتت في كثير من الحالات أن المرأه القادره على الوصول إلا أعلى درجات التفوق النفسي هي المرأه القادره على انتشال محيطها من فيضانات الفشل والانهزام. وتتفوق المرأه من خلال حصولها على مساحه توفر لها فرصة إكتشاف نفسها. أنا أرى أنه يجب العمل على مرحله إعطاء المرأه فرصة الانفراد بالذات لتكتشفها تليها مرحلة المطالبه بغرفتها
  • »مقالة موفقة (محمد علي محمد)

    الثلاثاء 30 أيلول / سبتمبر 2008.
    أختي الفاضلة زليخة :
    المرأة هي كل التنمية وكل الأدب وكل الحياة ، ولكن المجتمعات بعاداتها- لا بثقافاتها- تقزم هذا الكل وتحجمه لتحيله ركناً صغيراً في مملكة الرجل ، إلا الإسلام فقد أعاد لها كينونتها وكيانها ، وفرض لها كياناً مساوياً للرجل "النساء شقائق الرجال" ، والمرأة التي لم يفرض الإسلام عليها خدمة الرجل ولا إرضاع االولد فرض عليها أن ترفد البشرية بمكنون طاقاتها وعبقريتها ، ألا تعرفي أن للبخاري ثلاث وثمانون شيخة قرأ عليهن وأخذ منهن ، ألا تعلمي أن نصف الفقه والعلم كان عند الحميراء - عائشة رضي الله عنها- في حين لم يكن عند أبيها إلا القليل من الحديث .
    أختي زليخة :اكتبي في هذا المضمار وأكثري فإني والله له أطرب ، فقد عطلنا هذا النصف - آسف الكل - فتعطلت مركبة النهضة والرقي في مجتمعاتنا والسلام
  • »نحتاج الى الخصوصية (غادة شحادة)

    الثلاثاء 30 أيلول / سبتمبر 2008.
    في غمرة الانشغالات والضغوطات التي نتعرض لها نحن (الجنس اللطيف) نحناج الى فسحة من الزمان والمكان لنفرغ الضغط النفسي والعصبي ولنشعر باننا كائنات حية ولسنا الات تعمل على مدار الساعة بل وحتى الالات تحتاج الى تشحيم وصيانة دورية فبالتالي نحن لا نقل عنها قيمة ومنفعة .فاذا كان الرجال يذهبون الى المقاهي مثلا لتفريغ ضغطهم فالى نذهب نحن خاصة ان شرائح كبيرة من مجتمعنا لا تسمح بخروج المرأة الى التجمعات الخارجية فليس اقل من توفير مكان تلجأ اليه لتشعر بكينونتها . نحن ابسط مما يتخيل اي انسان مطالبنا بسيطة من السهل ارضائنا ولكن من النادر ان تجد من يفهم هذه الحقيقة ويتعامل معنا على اساسها
  • »كيف تبنى الغرفة ..أم كيف تبنى المرأة ..!!! (فاديا)

    الثلاثاء 30 أيلول / سبتمبر 2008.
    الغرف موجودة،ولكن هل من نساء تستحق أن تحتفي بجمالياتها ..!!
    قليلات من يفكرن ويعتبرن أنفسهن لهن حق في الحياة سوى اللهاث خلف غبار غريب ..!!
    فإذا أرادت المرأة أراد المجتمع