حالة العالم: الأمم المتحدة في مواجهة "الكوارث العالمية"

تم نشره في الجمعة 26 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

لا أحد منّا لا يدرك المخاطر التي تتهدد عالمنا اليوم. الأزمة المالية العالمية، وأزمة الطاقة العالمية. وأزمة الغذاء العالمية. ومحادثات التجارة المنهارة. وفوق كل هذا..

هناك الحروب وأعمال العنف التي تندلع في مناطق متفرقة من العالم، فضلاً عن تغير المناخ الذي بات يهدد كوكبنا على نحو متزايد. ونحن نقول إن المشاكل العالمية تتطلب حلولاً عالمية.

ولكن هل بادر أي منا إلى العمل؟ الحقيقة أننا نواجه اليوم أيضاً أزمة من نوع مختلف ـ والتي تتجسد في تحدي الزعامة العالمية. فقد نشأت مراكز جديدة للقوى والزعامة ـ في آسيا، وأميركا اللاتينية، وفي العديد من الدول التي أصبحت مؤخراً تستحق أن تندرج تحت فئة بلدان العالم المتقدم.

في هذا العالم الجديد باتت التحديات مرتبطة على نحو متزايد بالتعاون، وليس المواجهة. فلم يعد بوسع الأمم أن تحمي مصالحها، أو أن تعزز من رفاهية شعوبها، بدون الشراكة مع بقية الأمم.

بيد أنني أرى خطراً متمثلاً في انكفاء بعض الدول إلى الداخل بدلاً من النظر إلى مستقبل قائم على الشراكة مع الآخرين. كما أرى خطر التراجع عن التقدم الذي أحرزناه، وخاصة في مجال التنمية الاقتصادية وتحقيق العدالة في تقاسم ثمار النمو العالمي.

أجل، لقد نجح النمو العالمي في انتشال المليارات من الناس من الفقر. ومع ذلك فإن كنت من بين فقراء العالم الآن فأنت لم تشعر من قبل قط بوطأة الفقر بمثل هذه الحدة. أجل، لم يحدث من قبل قط أن تبنى مثل هذا العدد الكبير من الأمم قواعد القانون والعدالة الدولية، ومع ذلك فإن من يعيشون في بلدان حيث تنتهك حقوق الإنسان فهم لم يشهدوا من قبل قط مثل ما يتعرضون إليه الآن من ظلم وجور.

أجل، يعيش أغلبنا في سلام وأمن، ورغم ذلك فإن العنف يتصاعد في العديد من البلدان: في أفغانستان، والصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والعراق، والسودان.

والحقيقة أن المشاكل التي يعيشها هؤلاء الناس تشكل جزءاً من أزمة التنمية التي نواجهها الآن. فأثناء العام الماضي ارتفعت أسعار الوقود والغذاء والسلع الأولية إلى حد خطير. وأصبحت الدولة الثرية تخشى الكساد، بينما لم يعد بوسع الدول الفقيرة إطعام شعوبها.

إن أهداف تنمية الألفية تشكل جزءاً من الحل. بيد أن التقدم الذي أحرِز في سياق تحقيق هذه الأهداف لم يكن متساوياً. والتعهدات التي بُـذِلَت لم تحترم. ولكن ما تمكنا من إنجازه يكفي لكي ندرك أن تحقيق هذه الأهداف في متناول أيدينا.

إن الأمم المتحدة لابد وأن تكون نصيراً لأشد الناس ضعفاً وعجزاً وعرضة للخطر. وحين تضرب الكوارث فإننا نتحرك. ولقد فعلنا هذا أكثر من مرة هذا العام في هايتي وغيرها من بلدان منطقة الكاريبي التي ضربتها الأعاصير. وفعلنا هذا بعد إعصار نارجيس الذي ضرب ميانمار، حيث أصبح التحدي هناك الآن يتمثل في دفع البلاد نحو التقدم على المسار السياسي، بما في ذلك اتخاذ خطوات حقيقية نحو احترام حقوق الإنسان والديمقراطية.

لقد ساعدنا الناس الذين تأثروا بالفيضانات العارمة في جنوب شرق آسيا، وبالجفاف في القرن الإفريقي، حيث بلغ عدد المحتاجين إلى المساعدات العاجلة حوالي 14 مليون إنسان. ومنذ توليت منصبي هذا ظللت أدعو إلى المزيد من العمل الجاد النشط في الصومال. هل ينبغي لنا أن ننتظر ـ ونرى المزيد من الأطفال يموتون في الرمال؟

إن أزمة الغذاء العالمية لن تحل نفسها بنفسها. وربما تكون الآن قد بدأت بالفعل في الاختفاء من العناوين الرئيسية. في هذا مثل هذا الوقت من العام الماضي كان طن الأرز يكلف 330 دولارا أميركيا، أما اليوم فقد بلغ سعره 730 دولارا للطن. حتى أن من تعود من الناس على شراء الأرز بالجوال بات اليوم يحصل عليه بالحفنة. ومن تعودوا على تناول وجبتين في اليوم يتناولون الآن وجبة واحدة يومياً.

لقد ركزت الأمم المتحدة على توفير البذور والمخصبات الزراعية بين أيدي صغار المزارعين. ونحن نسعى الآن إلى إحداث "ثورة خضراء" جديدة في أفريقيا. بيد أننا نفتقر إلى الموارد الكافية. وما بذله المجتمع الدولي من وعود لم يرق إلى العمل الجاد.

في بوروندي وسيراليون وليبريا وتيمور الشرقية، حيث تساعد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة شعوب تلك البلدان على سلوك منعطف السلام، أصبحت مواردنا تحت إجهاد شديد. بيد أن الدبلوماسية الوقائية التي تتبناها الأمم المتحدة كثيراً ما تشكل قدراً عظيماً من الأهمية. ولقد بدأنا نرى ثمار هذه الدبلوماسية في نيبال وكينيا، ونتمنى أن نراها قريباً في زيمبابوي.

وعلى نحو مشابه، هناك فرصة حقيقية لإعادة توحيد شطري قبرص. وفي جورجيا تستطيع الأمم المتحدة العمل على تهدئة التوترات التي أسفر عنها الصراع الأخير. وفي كوت ديفوار سوف نساعد في تنظيم الانتخابات قبل نهاية هذا العام ـ وهي الانتخابات التي سوف تشكل خطوة كبرى نحو استرداد العافية والديمقراطية.

ولكن من الخطورة بمكان أن نتصور أن الأمم المتحدة قادرة على علاج مشاكل اليوم المعقدة دون الحصول على الدعم الكامل من بلدانها الأعضاء. ففي دارفور على سبيل المثال نواجه تحدياً متواصلاً يتمثل في الوفاء بالجدول الزمني لنشر القوات. ونحن نفتقر إلى الأصول اللازمة والعاملين. ولا شك أن الصلاحيات تصبح فارغة وبلا جدوى ما لم تصاحبها الموارد الكافية.

والآن أصبح عملنا بالكامل ـ تمويل التنمية، والإنفاق الاجتماعي في الدول الغنية والفقيرة، وتحقيق أهداف تنمية الألفية، وتمويل مهام حفظ السلام ـ عُـرضة للخطر بسبب الأزمة المالية العالمية. لقد بات لزاماً علينا أن نعيد النظام إلى أسواق المال الدولية. ويتعين علينا أن نفكر في نظام اقتصادي عالمي جديد يعكس بشكل أكثر اكتمالاً الحقائق المتغيرة في عصرنا الحاضر.

وهذه الحقائق تدعو إلى العمل الدءوب من جانب الأمم المتحدة على العديد من الجبهات: مكافحة الملاريا ومرض الايدز، وتقليص معدلات الوفاة بين الأمهات والأطفال، ومكافحة الإرهاب العالمي، وضمان نزع السلاح النووي والحد من انتشاره. وفي شبه الجزيرة الكورية لابد من تنفيذ كافة الاتفاقيات التي تم التوصل إليها من خلال المحادثات السداسية، ويتعين على إيران أن تذعن لقرارات مجلس الأمن وأن تتعاون بشكل كامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويتطلب مجال حقوق الإنسان في المقام الأول قدراً عظيماً من اليقظة من جانبا. فلابد من التعامل مع العدالة باعتبارها من أهم الأعمدة التي يقوم عليها السلام والأمن والتنمية. ويتعين علينا أن نطور مبدأ "المسؤولية عن الحماية". فرغم المصاعب السياسية الحقيقية، لا يجوز لنا أن نترك الجرائم ضد الإنسانية تمر دون عقاب.

ما زالت مسألة تغير المناخ تشكل قضية مصيرية في عصرنا هذا. ويتعين علينا أن نسترد حماسنا في التعامل مع هذه القضية. والاختبار الأول لنا في هذا السياق سوف يأتي بعد ثلاثة أشهر في بوزنان ببولندا. وحين يأتي ذلك الوقت يتعين علينا أن نتبنى رؤية مشتركة لاتفاقية جديدة خاصة بتغير مناخ العالم لكي تحل محل بروتوكول كيوتو، الذي ينتهي العمل به في العام 2012.

إن الأساس الذي يقوم عليه عمل الأمم المتحدة بالكامل يتلخص في تحمل المسؤولية. ويتعين علينا أن نغير ثقافة الأمم المتحدة. فلابد وأن نكون أسرع حركة وأكثر مرونة وأشد فعالية ـ وأكثر حداثة. كما يتعين علينا أن نستبدل نظامنا الحالي القائم على التعاقدات وشروط الخدمة، الذي أصبح يتسم بالاختلال الوظيفي وإعاقة القدرة على الحركة.

ولكن لابد وأن تتحمل البلدان الأعضاء بالأمم المتحدة مسؤولياتها أيضاً. ولا يجوز لنا أن نستمر في إصدار القرارات التي تنص على التفويض بالقيام بعمليات حفظ السلام دون توفير القوات والأرصدة المالية والمواد اللازمة. فلا يجوز لنا أن نرسل العاملين الشجعان بالأمم المتحدة ـ الذين قُـتِل منهم 25 هذا العام وحدة ـ إلى مختلف أنحاء العالم دون أن نضمن لهم الأمن. ولن يتسنى لنا أن نصلح هذه المنظمة دون توفير الموارد اللازمة.

إن كل ما نعيشه اليوم من شكوك سوف ينقضي ويزول، بيد أن هذا لن يحدث إلا إذا عملنا بحكمة وبقدر أعظم من الشعور بالمسؤولية. وإذا نجحنا في تحقيق هذه الغاية فإننا بهذا نجهز المسرح لعصر جديد من الاستقرار والرخاء العالمي، الذي سوف يكون أوسع انتشاراً وأعدل توزيعاً.

* أمين عام الأمم المتحدة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق