اختراق فلسطيني للثوابت الإسرائيلية

تم نشره في الأربعاء 24 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

الذين أطلقوا قصة اتفاق "عريقات - عوض الله" والعرض الفلسطيني لتوطين اللاجئين في الاردن لم يقرأوا أو لم يفهموا فحوى التصريحات غير المسبوقة والأكثر اهمية، التي اطلقها كل من يهود اولمرت ويهود براك وحاييم رامون، وهي تعكس المناخ الداخلي للمفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية، مثلما تعكس ازمة المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي، وتؤكد وجود استحقاقات اسرائيلية حاولوا التهرب منها عشرات السنين وثبت انها ديون مؤجلة للفلسطينيين وليست ديونا معدومة لهم، ذلك لان اصحابها يقظون ويطالبون بها وقدموا التضحيات من اجل استعادتها والإقرار بها وفق قرارات الامم المتحدة.

التصريح الأول اطلقه رئيس الوزراء، يهود اولمرت، وبشر فيه بنهاية دولة اسرائيل الكبرى، وان الاتفاق مع الفلسطينيين اليوم افضل من الغد، وان تأخير الحل سيؤدي الى انحسار حل الدولتين المتجاورتين وبروز حل الدولة الواحدة ثنائية القومية، وان لديه الاستعداد لتقديم الاعتذار الى اللاجئين الفلسطينيين على الاذى الذي سببته لهم اسرائيل (بطردهم ومصادرة حقوقهم).

التصريح الثاني اطلقه يهود براك، وزير الدفاع، وقال فيه إن اسرائيل مضطرة للتنازل والانسحاب من بعض احياء القدس الشرقية، استجابة لشروط ومتطلبات التسوية.

والتصريح الثالث قاله حاييم رامون، نائب رئيس الوزراء، ودعا فيه الحكومة للتصويت على مشروع قرار يتم من خلاله تعويض 62 ألف مستوطن يقيمون شرق الجدار في الضفة الفلسطينية المحتلة بهدف نقلهم اختيارياً الى مناطق داخل اسرائيل (المحتلة عام 1948).

قد تكون التصريحات الثلاثة لا تستجيب للمصالح الفلسطينية، ولكنها بالتأكيد لا تتعارض معها، بل تتجاوب مع متطلباتها، وهي ليست مكارم اسرائيلية، لكنها ضغوط الواقع الذي لا مهرب منه، كما انها ليست تطوراً أخلاقياً نبيلاً من قبل قادة اسرائيل، ولكنها شجاعة من جانبهم تصب لمصلحتها وخدمتها بهدف قبول الادنى حتى لا يضطروا لقبول الاصعب والاسوأ، وهي في مطلق الاحوال، تصريحات غير مسبوقة لا في مضامينا ولا في شكلها ولا في دعواتها، لأنها تحرق المحرمات الاسرائيلية التقليدية التي سوقوها على شعبهم وعلينا وثبت استعدادهم لتغييرها بسبب متطلبات الواقع وكلفته وكلفة معاكسته، فغيروا ما يسمى الثوابت الاسرائيلية وقدموا بالونات اختبار باسم الائتلاف الحكومي الى الاسرائيليين، وهي تصريحات متقدمة اذا ما قورنت بما سبقها من مواقف وسياسات، وهي خطوات تسير الى الامام، قد تكون غير كافية فلسطينياً وعربياً واسلامياً ومسيحياً، ولكنها تدلل على وجود حراك اسرائيلي يقترب قليلا من شروط ومتطلبات التسوية مع منظمة التحرير الفلسطينية والحدود الدنيا التي رسمتها للتسوية وفق البرنامج المرحلي الفلسطيني.

تصريحات المسؤولين الاسرائيليين الثلاثة تشبه الخطوات التي اقدم عليها رابين وشمعون بيرس في التوصل والتوقيع على اتفاق اوسلو التدريجي المتعدد المراحل عام 1993، وهي تشبه القرار الاسرائيلي بتغيير معايير وشروط اطلاق الاسرى الفلسطينيين، عبر اطلاق سراح مقاتلين ذبحوا اسرائيليين، اي ان هنالك تغييرا يتجاوب مع متطلبات وشروط تسوية قضايا المرحلة النهائية. فالاعتراف الاسرائيلي بالعناوين الثلاثة وهي: الاعتراف بالشعب الفلسطيني، وبمنظمة التحرير الفلسطينية، وبحقوق الشعب الفلسطيني وفق اتفاق اوسلو الذي  كسر المواقف الاسرائيلية التقليدية وشكل اختراقا فلسطينياً للجسم الاسرائيلي، وكان إطلاق سراح فدائيين فلسطينيين أياديهم "ملطخة بدماء الاسرائيليين" اختراقا آخر، وهكذا يتم حرق وكنس المعايير الاسرائيلية واحداً تلو آخر بسبب صمود الفلسطينيين وتضحياتهم وحنكة قياداتهم بدءا من احمد جبريل الذي فرض عملية تبادل النورس عام 1985، وانتهاء بمحمود عباس الذي دفع اولمرت وبراك ورامون ليقولوا ما قالوه، مروراً بياسر عرفات الذي انجز اوسلو وانتزع الاعتراف الاسرائيلي بالعناوين الثلاثة ونقل القضية الفلسطينية من المنفى الى الوطن.

هذا لا يعني ان اسرائيل تغيرت، او انها مقبلة على قرارات ذات طابع استتراتيجي، بل يعني انها تسير ياتجاه التغيير البطيء، وانها غير قادرة على التوقف ولن تتوقف عند حد معين، بل هي تسير على مهل على وقع خطوات الواقع ومتطلباته، وستلتقي مع الشعب الفلسطيني في منتصف الطريق، سواء كان ابو مازن او احمد قريع وسواء كان خالد مشعل او محمد دحلان.

فالمسؤول الفلسطيني لا يملك شجاعة قبول اتفاق لا يستطيع الدفاع عنه امام المجتمع الفلسطيني ولا يلبي الحد الادنى المقبول فلسطينيا وهو دولة في حدود 67 وعاصمتها القدس وحل قضية اللاجئين وفق القرار 194، كما انه لا يستطيع قبول اتفاق لا تقبل به البلدان العربية المجاورة، مصر والسعودية والاردن ولبنان وسورية. فالقضايا العالقة ليست قضايا فلسطينية مجردة بل تتداخل فيها المصالح الفلسطينية مع المصالح العربية وخاصة القدس واللاجئيين والمياه والأمن وغيرها من القضايا المتشابكة الشائكة.

المفاوض الفلسطيني، لا يستطيع التوصل الى اتفاق لا يرضي الفلسطينيين بمن فيهم حركة حماس رغم غيابها عن طاولة المفاوضات او ادعائها برفض هذه المفاوضات. والمفاوض الفلسطيني لا يستطيع كذلك قبول اتفاق يخل بالمصالح العربية المجاورة، ليس لأنه غير مستقل او غير مفوض، بل لأنه محكوم لمعايير ومصالح ثابته لا يستطيع التهرب منها. لهذا نقول ونستخف بالإشاعات التي أطلقها البعض وتلقفها البعض الآخر وكأنها حقائق يبنى عليها مواقف، كما فعل بعض الحزبيين حينما صدقوا قصة اتفاق عوض الله - عريقات وقصة العرض الفلسطيني لتوطين اللاجئين في الأردن.

Hamadeh.faraneh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »agree 100% (Khaled Salaymeh)

    الأربعاء 24 أيلول / سبتمبر 2008.
    I agree with your article 100%
  • »لبس صعبا فهم الحقيقه (ابو رائد الصيراوي)

    الأربعاء 24 أيلول / سبتمبر 2008.
    من يقراء هذا التحليل للسيد فراعنه يظن ان هناك اختراق عظيم حققته سلطة رجال الاعمال الفلسطينية برام الله وللاسف لغاية الان لم يصل الاستاذ الفراعنه الى فهم المعادلة الفلسطينيه الاسرائيليه لم يفهم بان اسرائيل لديها برنامج لاءدارة الازمة والصراع مع الفلسطنيين بدون تقديم شيىء لهم وعلية كل هذة التفاوضات والاجتماعات والتصريحات تدخل تحت هذة الخطة الاسرائيليه الخبيثة وهذا ما لا يعيه السيد الفراعنة ولكن تفهمه سلطة رجال الاعمال الفلسطنيه كونها مشتركة باللعبه بارادتها وليس غصبا عنها حتى لو انحرق كل الفلسطنيين المهم الكسب الشخصي والحفاظ على رفاهية الحياة التي جلبتها اتفاقية اسلوا لتجار القضية الذين لايريدون وحدة الشعب الفلسطيني ويسعون لتمزيق مالم يطله التمزيق لغاية الان وما تصريحات ابو الفتح رئيس جهاز الامن لحكومة فياض وتصريحات ماجد فرج رئيس الاستخبارات العسكرية لسلطة رجال الاعمال الفلسطينية بانهم واسرائيل عدوهم واحد الا وهي حماس ورجال حماس كل هذا يؤشر بان فتح اليوم ( وهي غير فتح الشرفاء التي استشهد مناضليها الذين لم يساوموا على قضيتهم ) فتح اليوم ممثله بسلطة رجال الاعمال الفلسطنيه اصبحت بعيدة جدا عن الشعب الفلسطيني المناضل واصبح وجود هذة السلطة كارثيا على القضية وقد حان ان يحلوا السلطة المهزله ويعيدوا الوضع الى ما يجب ان يكون علية ( شعب وارض تحت الاحتلال ) يقاوم المحتل لتحرير ارضة وشعبة فقط بذلك تنتهي المتاجرة بالقضية وبذلك نستعيد دعم العالم لقضيتنا فبوجود سلطة رجال الاعمال اوهمت اسرائيل الغالم بان القضية هي عبارة عن شعب له سلطة فاسدة لا تستطبع تلبية احتياجات شعبها.