تداعيات الصراع الروسي الجورجي على الشرق الأوسط

تم نشره في الاثنين 22 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

لن تغفر روسيا المنهكة التي وضعها الغرب في الزاوية أبداً لتركيا العضوة في الناتو. نتيجة لذلك سوف تنحدر العلاقات الروسية التركية وقد تتوقف روسيا حتى عن تزويد تركيا بالغاز الطبيعي. في معرض البحث عن حلفاء، قد تجد روسيا إيران المعزولة بشكل مماثل قابلة لأن تعطي روابط الدولتين بعداً استراتيجياً، ولكن فقط في مقابل تنازلات سياسية واقتصادية. لذلك فإنه من سخريات القدر أن الأزمة الروسية الجورجية قد تغير ميزان القوى في الشرق الأوسط.

لقد أصيبت كل من روسيا وإيران بانزعاج شديد من محاولات الغرب تجاوزهما في سعيه وراء النفط. كانت موسكو تريد أن يمر خط باكو – تبليزي – كيهان النفطي، وهو ثاني أطول خط في العالم، عبر الأراضي الروسية. بذلك تستفيد روسيا ليس مادياً فقط ولكنها تستطيع كذلك بذل بعض السيطرة على تزويد النفط إلى الغرب، تماماً كما تفعل في أطول أنبوب في العالم، وهو أنبوب دروجبا، الذي يعبر من جنوب شرق روسيا إلى أوروبا. أثناء غزوها لجورجيا أظهرت روسيا عن قصد أن باستطاعتها تهديد خط باكو – تبليزي – كيهان وأن روسيا، حسب قول الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف مؤخراً "أُمّة يُعتَدّ بها".

في هذه الأثناء سعت إيران، التي ينساب معظم نفطها إلى آسيا، ومنذ مدة طويلة إلى مدّ أنابيب نفطها نحو الغرب، وهي رغبة أحبطتها في العديد من الحالات العقوبات الغربية. من خلال دعم روسيا في مواجهتها الحالية مع الغرب تستطيع إيران تأمين مردود اقتصادي وسياسي مستقبلي. ويمكن لذلك أن يكون صحيحاً بشكل خاص إذا حصلت إيران من روسيا على التزام بوضع استراتيجية نفطية مشتركة في مواجهة الغرب.

إلا أنه حتى في غياب هذا الاحتمال هناك العديد من المؤشرات حول الفوائد التي يمكن أن تتجمع لدى إيران نتيجة لسياستها المساندة لروسيا. على سبيل المثال، يجري البحث بجدية في طلب إيران (وسورية) منظومة دفاع صاروخية متقدمة من موسكو، الأمر الذي يزعج الولايات المتحدة وإسرائيل. وعندما يتذكر المرء أن محطة بوشهر النووية الإيرانية، والتي بنيت بدعم من روسيا، سوف تبدأ العمل في عام 2009، يصبح ظاهراً أن إيران قد تكون على وشك تعزيز موقعها الإقليمي والعالمي بشكل أساسي.

وحتى بينما تقوم إيران بمحاولة لتحقيق وضع كقوة إقليمية، ظهرت تركيا، بشكل مفاجئ تقريباً، كدولة قد تمسك بمفاتيح حل الأزمة الروسية الجورجية. بالطبع، تقع تركيا في مركز متميز لأن تكون وسيطاً، وهو دور بدأت تلعبه مع بعض النجاح بين سورية وإسرائيل، وإلى درجة أقل بين إيران والغرب. روسيا هي أكبر شريك تجاري لتركيا، التي تعتمد على الغاز الطبيعي الروسي.

في الوقت نفسه تحافظ تركيا على علاقات اقتصادية وعسكرية مع جورجيا التي تطمح إلى الانضمام إلى حلف الناتو، الذي تُعتَبَر تركيا عضواً استراتيجياً فيه. لا تستطيع تركيا أن تتحمل أن تسمح لعلاقاتها مع روسيا أن تتدهور، وقد وصلت إلى حالة توتر بسبب عبور السفن الأميركية مضيق البسفور في طريقها إلى ميناء باتومي الجورجي، ولكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل نداءات الغرب بدعم جورجيا. نتيجة لذلك، لا يعتبر التوسط في النزاع القائم مجرد دور قد يدفع بتركيا إلى الأضواء كلاعب إقليمي رئيسي، وإنما ضرورة فيما يتعلق بمتطلبات تركيا السياسية والاقتصادية.

إذا واجهت تركيا التحدي فقد تكون هناك حتى فوائد إضافية. قد يذوب جمود العلاقات التركية الأرمنية، الأمر الذي ستكون له أهمية كبرى في صناعة النفط والغاز الطبيعي. أكثر الطرق البرية مباشرة لأنبوب نفط من بحر قزوين إلى تركيا يبدأ في أذربيجان ويمر عبر أرمينيا. إلا أنه لم يجرِ مد أنبوب نفطي كهذا بسبب عدم الاستقرار السياسي، فقد خاضت أذربيجان وأرمينيا حرباً ضروس على إقليم نغورنو – كاراباخ، وما يزال الوضع بينهما متوتراً، بينما بقيت حدود تركيا مع أرمينيا مغلقة منذ عام 1993 تضامناً مع أذربيجان.

وفي الوقت الذي يُظهِر الصدام الروسي الجورجي مدى تعرُّض جورجيا التي يمر عبرها خط باكو – تبليزي – كيهان، أخذت أهمية أرمينيا بالتزايد. تحدّث الرئيس التركي عبدالله غول، أثناء زيارة نادرة إلى يرفان عاصمة أرمينيا لحضور مباراة كرة القدم الأسبوع الماضي، عن حاجة دول القوقاز لأن تعمل معاً لتعزيز الاستقرار.

لهذا السبب نادت تركيا بإيجاد مجموعة تعاون إقليمي تضم تركيا وروسيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان.

قد يكون خط امتداد النزاع الروسي الجورجي خلال الشهور القليلة المقبلة حاسماً في تقرير ما سيحدث في الشرق الأوسط. إذا نجحت الوساطة في تقريب الطرفين ونزع فتيل الأزمة فلن تجد روسيا ضرورة في التوجه نحو إيران. وإذا كان التوسط الناجح تركيّاً، تكون تركيا قد أظهرت قدرة نادرة في تحقيق الاستقرار في القوقاز وترتيب محادثات سلام سورية إسرائيلية والتوسط بين إيران والغرب.

من ناحية أخرى، إذا استمر النزاع فسوف تتراجع روابط سورية مع الغرب وتركيا دون شك. وقد تشكّل روسيا، إذا واجهت العزل السياسي بل وحتى العقوبات، تحالفاً استراتيجياً مع إيران وبالتالي تزيد بشكل كبير من التأثير الإيراني في الشرق الأوسط.

ورغم أن الصدام العسكري الروسي الجورجي يبدو منتهياً، إلا أننا سنشعر بتداعياته لفترة طويلة، خاصة بينما تراوح الأزمة السياسية بين البلدين مكانها دون حل. تأثرت دولتان في الشرق الأوسط هما تركيا وإيران بشكل مباشر بالأحداث الأخيرة. ورغم أن تركيا في موقع يجعلها تخسر إذا فشلت روسيا وجورجيا في حل مشاكلهما، إلا أن إيران سوف تربح في هذه الحالة.

* كاتب ومحلل مستقل مركزه بيروت.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية.

التعليق