الشرق الأوسط في حقبة "ما بعد 11 سبتمبر"

تم نشره في الاثنين 22 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

يرصد بول سالم، مدير المكتب الإقليمي لمؤسسة كارنيغي للسلام المعروفة، المراحل الرئيسة التي مرّ بها النظام الإقليمي الشرق أوسطي في حقبة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

الورقة الجديدة "الشرق الأوسط مراحل تطور وتفكك النظام الإقليمي" تتناول تطور النظام الإقليمي والتوازنات والتحالفات التي مر بها خلال العقود السابقة وصولاً إلى المرحلة الحالية، ويمهد بول بذلك الطريق لسلسلة أوراق ستصدر عن مؤسسة كارنيغي لاحقاً ترصد الأدوار والأسئلة المرتبطة بالدول الرئيسة الفاعلة في المنطقة.

لعلّ النتيجة الرئيسة التي يصل إليها بول في ورقته تكمن في أنّ الحرب العراقية الأخيرة أنهت الشرق الأوسط القديم وجعلته "ركاماً"، لكنها عجزت عن خلق صيغة جديدة، ففتحت الباب للعديد من السيناريوهات حول مستقبل المنطقة، بخاصة بعد الانتخابات الأميركية في نهاية العام الحالي، وما يرتبط بها من أسئلة حول الدور الأميركي القادم وطبيعة "المقاربة" التي ستتبنّاها الإدارة الجديدة في التعامل مع "الواقع العراقي" والأطراف الإقليمية الأخرى، بخاصة إيران الصاعدة.

بلا شكّ فإنّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت نقطة تحول في السياسة الأميركية، بيد أنّ الحرب العراقية – تحديداً- كانت بمثابة اللحظة التاريخية الرمزية التي تؤرخ لانهيار النظام الإقليمي السابق، ليس فقط لتفكك النظام العراقي باعتباره "دولة عازلة" لإيران في المنطقة، وليس للفوضى الداخلية التي سادت العراق خلال السنوات الأخيرة فقط، بل لأنّ انهيار العراق أدى إلى تبدل الرؤى والمواقف والمصالح، بل والأوزان الاستراتيجية، لدول المنطقة مما فتح الباب أمام تبدل ساحات الصراع وصيغته ووجهته.

لم تقف حدود التغيّر عند انهيار النظام السياسي العراقي، بل امتدت تحديداً خلال الفترة (2003-2005) إلى ديناميكيات جديدة تتحكم بالمرحلة الإقليمية الحالية أبرزها انطلاق الدور الإيراني في المنطقة بعد انهيار نظامين معاديين لها، هما طالبان الأفغانية ونظام صدام حسين، حيث اعتمدت إيران استراتيجية مزدوجة في العراق تقوم من جهة على تعزيز نفوذها وتقوية موقع الجماعات الموالية لها لتمسك بالسلطة، في المقابل ساهمت إيران في إدامة الفوضى في العراق واستنزاف الجيش الأميركي بصورة كبيرة.

توازى ذلك مع صعود دور القاعدة والمجموعات المتفقة معها أيديولوجيا وسياسياً في المنطقة، وتحول العراق إلى مركز إقليمي للجماعات الإسلامية المقاتلة، فأصبحت أكثر انتشاراً ونشاطاً، وضربت في العديد من دول المنطقة ووجدت أنصاراً وحلفاء لها في مناطق مختلفة.

في السياق الزمني نفسه فجّر صعود إيران الإقليمي والوضع الأمني الرخو في العراق نزعات الصراع الطائفي والمذهبي التي بدأت تنتقل من العراق إلى دول أخرى، وأصبحت هاجساً رئيساً في المنطقة. في المقابل برز الدور السعودي بصورة مباشرة خلال المرحلة الأخيرة، إذ لاحظت السعودية أن التراجع الأميركي في العراق والصعود الإيراني يخلق فراغاً في النظام الإقليمي العربي فسعت إلى بناء تحالف مع دول عربية تتوافق معها في المصالح والرؤية، تحديداً مصر، الأردن والإمارات العربية المتحدة.

عام 2006 شهد تراجعاً أكبر في حدود القوة الأميركية وتعزيزاً من موقع ما يسمى بمعسكر الممانعة، وتحديداً مع حدثين مهمين، الأول انتصار حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ما شكل سؤالاً رئيساً لدعوات الدمقرطة المنطلقة من واشنطن، والثاني صمود حزب الله في حرب لبنان وعجز الآلة العسكرية الإسرائيلية عن حسم المعركة والصراع، مع استدامة الفوضى والأزمة في كل من لبنان والعراق، ولاحقاً فلسطين.

يرى بول أنّ الإدراك بدا واضحاً مع نهاية العام 2006 بأنّ القوة الأميركية العسكرية التي ضربت قواعد اللعبة في الشرق الأوسط عاجزة عن خلق قواعد اللعبة في الشرق الأوسط الجديد، بل أدّت إلى تعدد اللاعبين وتضارب الرؤى والمصالح، وإرهاصات لديناميكات جديدة تحكم المنطقة، وقد تبلور الإدراك الأميركي الجديد من خلال تقرير هاملتون- بيكر في نهاية تلك السنة.

يبدو عنوان المرحلة الأخيرة، والتي انطلقت ملامحها منذ عام 2007، هو "وقف التدهور"، إذ عمدت الولايات المتحدة للتحول من سياسة المواجهات واستخدام القوة المسلحة في خلق التغيير إلى سياسة الصفقات والتسويات، وهي السياسة التي أدت إلى تخفيف التوتر الأمني والسياسي في العراق ولبنان، وإلى استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية.

جميع هذه المرشرات تمثل تراجعاً أكيداً وحاسماً عن مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي سيطر على رؤية صانع القرار الأميركي، فأدى إلى تحول كبير في السياسة الأميركية من الاحتواء والإبقاء على قواعد اللعبة التقليدية في المنطقة إلى تدميرها والقضاء عليها وخلق ليس فقط منطقة جديدة، بل نخب حاكمة جديدة صديقة للولايات المتحدة، وتؤمن بالليبرالية والديمقراطية، على غرار التحولات التي حدثت في كل من أوربا الغربية واليابان نتيجة للحرب العالمية الثانية.

"حقبة ما بعد 11 سبتمبر" نجحت في هدم قواعد الشرق الأوسط القديم، لكنها لم تنجح في بناء النظام الإقليمي الجديد، فهي أقرب إلى "لحظة تاريخية انتقالية" تؤسس لمرحلة قادمة، لكنها لن تكون، بالتأكيد، كما تصورها الرئيس بوش ومجموعته الحالية وفي مقدمتهم ديك تشيني. فمن الواضح أنّ هذه الحقبة بدأت مع المراحل الأولى لإدارة بوش وانتهت مع المراحل الأخيرة لرحيله.

الجميع، إذن، ينتظر الإدارة الجديدة التي ستحدد طبيعة المقاربة في التعامل مع الأزمات والملفات المفتوحة التي تركها بوش في المنطقة، وسيحدد بناءً على ذلك أيضاً الفاعلون الإقليميون الآخرون سياساتهم ومقارباتهم، ما يرسم - بالضرورة - صورة أخرى مختلفة عن الوضع القائم الذي إن كان يمتاز بـ"شيء ما" فبأنّه انتقالي وغير ثابت وله ما بعده..

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أحداث سبتمبر و الشعب العربي (بانا السائح)

    الاثنين 22 أيلول / سبتمبر 2008.
    بالاضافة لذلك, اعتقد أن تبعات الحادي عشر كان له الأثر الكبير على حال الدول العربية و شعوبها. أضحت الشعوب العربية تعيش حالة تخبط و احباط نتيجة التشتت الكبير الذي يبعد الوحدة العربية. القوة الامريكية و سياستها فشلت في تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد و لكنها نجحت في قتل الامل لدى المواطن العربي في ايجاد قوة عربية قادرة على النهوض لحماية مصالح الامة..علاقة المواطن العربي بالنظام السياسي الداخلي تشوبها قلة الثقة و كثرة الشكوك في مصداقيتها. كم من الحالات في الدول العربية المختلفة التي شهدنا فيها اعطاء الاولوية للولايات المتحدة و سياستها على حساب المواطن العربي؟؟كم شهدنا انكسارات كبيرة لداخل المواطن العربي "دون وجه حق" لتمرير سياسة بوش في ما اسماه الحرب على الارهاب. أخي الكاتب, قد تبدو هذه الورقة المقدمة هي تلخيص لتبعات أحداث الحادي عشر و لكن من وجهة نظر غير عربية..يا حبذا أن تقوم الدول العربية أو مؤسساتها بالعمل على اصدار ورقة خاصة في تبعات الحادي عشر من أيلول على الوطن العربي و أؤكد لك أن نتائجها ستكون غاية في الاهمية لرصد حالة المواطن العربي و الوصول الى توصيات الى الادارة الامريكية التي تسعى الى تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد