بين "حماية المستهلك" و"حقوق المستهلك"

تم نشره في الاثنين 15 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

تأسيس جمعية جديدة لحقوق المستهلك أثار مؤخراً حفيظة د. محمد عبيدات رئيس جمعية حماية المستهلك، الذي شن حملة شديدة اللهجة شككت بقانونية الجمعية الجديدة، وطالب المجتمع المدني والنقابات المهنية والعمالية مساندة جمعية حماية المستهلك بوقف تسجيل الجمعية الجديدة. أما الحجة التي برر فيها د. عبيدات حملته فهي أن مؤسسي الجمعية الجديدة هم من الفئات التي لا يجيز الاتحاد الدولي للمستهلك والاتحاد العربي للمستهلك ان تتولى مهمة تأسيس جمعيات للمستهلكين، مشيراً، هنا، إلى وجود إياد القضاة، مدير عام ضريبة الدخل، على رأس الهيئة الادارية للجمعية الجديدة، وإلى وجود نقيب تجار المواد الغذائية ونقيب الصيارفة ضمن عضوية هيئة المؤسسين.

ويعد هذا النزاع جديداً على الأردن، فلم يسبق أن طعنت جمعية ما في جمعية جديدة لأنها تعمل في الحقل ذاته. فلا يوجد في الأردن ما يمنع ازدواجية أو تعددية الجمعيات الاجتماعية لمجرد تشابه الأهداف أو النشاطات. وباستثناء قانون العمل والنظام الداخلي للاتحاد العام لنقابات العمال اللذين يمنعان التعددية النقابية، فإن الضغوط الداخلية والمعايير الدولية تدفعان هذه الأيام لاعتماد حرية التنظيم النقابي، والتخلي عن وحدانية التمثيل النقابي لهذا القطاع العمالي أو ذاك.

حقاً لقد لجأت الحكومة في زمن الأحكام العرفية، ولا سيما في الثمانينيات الماضية، إلى بناء اتحادات موازية أو منافسة لمنظمات مهنية أو اجتماعية كانت تهيمن عليها قوى المعارضة السياسية، حدث هذا حين أُسس اتحاد الكتاب الأردنيين ليكون بديلاً عن رابطة الكتاب، وبصورة مشابهة دفعت الحكومة إلى تأسيس الاتحاد النسائي العام ليكون منافساً لجمعية الاتحاد النسائي التي تحمل اليوم إسم اتحاد المرأة الأردنية. لكن الواقع أثبت أن الساحة تتسع لكل من رابطة واتحاد الكتاب، كما تتسع للاتحاد النسائي الأردني العام واتحاد المرأة.

ومع أننا لا نعرف الكثير عن جمعية حقوق المستهلك حديثة التأسيس، والتي تقدمت للترخيص في وزارة الداخلية مؤخراً، فإننا لا نجد مبرراً قوياً لتحسس الجمعية المخضرمة، والتي يرأسها د. محمد عبيدات، من الجمعية الناشئة. بل نأمل أن تشكل حافزاً لجمعية حماية المستهلك من أجل تجديد شبابها وتوسيع عضويتها ونشر فروعها في مختلف محافظات المملكة. وقد يخلق وجود جمعية جديدة أو أكثر لحماية المستهلك بيئة تنافسية صحية من أجل تحسين أساليب عمل جمعية حماية المستهلك، والانفتاح أكثر على منظمات المجتمع المدني والحياة العامة.

من المعروف أن الجمعية الوطنية لحماية المستهلك تأسست في أواخر عام 1989، وكان يرأسها لبعض الوقت رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات الذي كان يرأس أيضاً جمعية حماية البيئة الأردنية. لكن الرئيس عبيدات أخلى مكانه للأستاذ الجامعي د. محمد عبيدات الذي ظل على رأس جمعية حماية المستهلك ردحاً طويلاً من الزمن، يزيد على خمسة عشر عاماً.

وبالنظر إلى تزامن نشأة الجمعيتين في عام 1988/ 1989، فإنه من المفيد أن نقارن بينهما. ففي الوقت الذي اتسعت فيه عضوية جمعية البيئة الأردنية لتضم أكثر من ألفي عضو مسدد، وانتشرت فيه فروعها (15 فرعاً) ولجانها ونواديها البيئية في مختلف المحافظات، وفيما ابتعد دولة أحمد عبيدات عن القيادة المباشرة لجمعية البيئة، وتحقق للأخيرة قدر من التجديد القيادي، فإن جمعية حماية المستهلك ظلت عضويتها مقتصرة على عدة مئات من الأعضاء، ولم تفلح في بناء فروع لها في المحافظات. وفي الوقت نفسه، بقي د. محمد عبيدات بمثابة "الرئيس الدائم" للجمعية، حتى أنها اقترنت باسمه ودوره القيادي المباشر.

لكن في المقابل يجب أن يسجل لهذه الجمعية ورئيسها خوضهما سلسلة من المعارك الشرسة في مواجهة التقصير والإهمال الحكومي والدفاع عن حقوق المواطنين كمستهلكين. ولعل في مقدمة الأدوار المهمة التي لعبتها جمعية حماية المستهلك التصدي لفضيحة تلوث مياه غرب عمان (صيف 1998) التي قصرت فيها جمعيات حماية البيئة والنقابات المهنية المعنية، حيث بادرت جمعية حماية المستهلك إلى مواجهة الإنكار والنفي الحكومي لوجود عيب في مياه غرب عمان بإجراء فحوص مخبرية لعينات من المياه، وإثبات تلوثها بمختلف الملوثات وعدم صلاحيتها للاستهلاك البشري، وقد نجحت الجمعية في توظيف وسائل الإعلام في حملتها هذه.

وتناولت الجمعية بعد ذلك، عدة قضايا تمس صحة المواطن وسلامته، مثل الكشف عن مواد شائبة في زجاجات البيبسي، ووجود مادة الدايكسين في المواد البروتينية المستوردة، وكذلك الكشف عن وجود شحنة قمح ملوثة وغير صالحة للاستهلاك البشري. وقد تصدت في السنوات الأخيرة إلى مسألة احتكار اللحوم والغش في المحروقات ومنع دخول الأجبان الفاسدة.

وبالرغم من هذه المعارك الباسلة، والتي خاضها د. عبيدات أحياناً بعقلية الفرسان، وكأنها مبارزة شخصية مع الحكومة، إلا ان جمعية حماية المستهلك عجزت عن توسيع قاعدة عضويتها وتجديد أساليبها، بما يسمح لها بالتحول إلى منظمة أو حركة اجتماعية جماهيرية. كما فشلت الجمعية في بلورة رؤية أوسع لدورها كممثل لمصالح المستهلكين، من خلال الدفاع عن حقوقهم المتنوعة ودعوة مؤسسات القطاع الخاص لانتهاج سياسات مسؤولة اجتماعياً تجاه المستهلكين.

وإلى جانب هذا وذاك، فقد انعزلت جمعية حماية المستهلك في بوتقة ضيقة، حتى أن المراقب لا يكاد يلحظ لها دوراً أو مشاركة أو عملاً مشتركاً مع بقية منظمات المجتمع المدني. كيف لا، وحركة الجمعية مقيدة بالحدود التي اختارها رئيسها لها.

ومن المفارقات أن يكون للدكتور عبيدات دور فاعل في دعم تأسيس جمعيات لحماية المستهلك في دول عربية أخرى، وفي قيام اتحاد عربي عام لهذه الجمعيات، وأن يصر في الوقت نفسه على عدم توسيع عضوية جمعيته أو بناء فروع لها في محافظات المملكة.

بطبيعة الحال فإن هذه القراءة لمسيرة جمعية حماية المستهلك ليس الهدف منها تزكية قيام جمعية جديدة منافسة، وإنما هي فرصة نغتنمها للتأشير إلى انجازاتها وكفاحيتها، وفي الوقت نفسه نقاط ضعفها التي يجب المبادرة إلى تصحيحها.

إن فعالية وشرعية جمعية حماية المستهلك لن تتحقق باحتكارها حق الدفاع عن مصالح المستهلكين، ولا من "وحدانية تمثيلها" لهذا القطاع العريض من المواطنين، وإنما من خلال تجديد حيويتها وانفتاحها وتطوير وسائلها وأدواتها، وهو ما يتطلب ضخ دماء شابة جديدة في عروقها.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مصلحة المستهلك (ايمان)

    الاثنين 15 أيلول / سبتمبر 2008.
    يشهد الاردن في الوقت الحالي العديد من التغييرات الاقتصادية وتذبذب الاسعار بين الحين والاخر, كذلك يشهد السوق المحلي دخول اصناف عديدة ومتنوعة للسلعة الواحدة مما يخلق نوعا من المنافسة بين المنتجات الوطنية نفسهامن جهة وبينها وبين المنتجات المستوردة من جهة اخرى وهذا بدوره سيؤدي الى ظهور الغش الذي يقع المستهلك فريسة له وينعكس عليه تبعا لقدرته على كشف التلاعب سواء كشف التلاعب في في جودة الصنف نفسه او باسعاره, وبالتالي يجب التصدي لمثل هذه الامور, ونحن الاردنيين لا يُخفى علينا ولا يمكننا تجاهل دور جمعية حماية المستهلك متمثله برئيسها الدكتور محمد عبيدات فلا يمكننا ان ننكر الدور الذي يلعبه في جمعية حماية المستهلك والعمل على تثقيف افراد المجتمع والسياسات التي ينتهجوها في المؤسسة في اطلاع المجتمع على كافة الامور التي تمس حياتهم بشكل اساسي فالمؤسسة تعمل باسم المستهلك لتمكنه من الحصول على حقه في الغذاء المناسب والماء والخدمات اللازمة.
    وعلى الرغم من الدور الذي لعبته الجمعيه وتلعبه الا انه لا ضير بوجود جمعية ثانية وثالثة منافسة لها وخاصة في ظل تعرض السوق المحلي الى تحديات المنافسة بين السلع والعولمة واثارها الثقافية والاقتصادية على المستهلك, فأجهزة جمعية واحدة غير كافية لحماية المستهلك في المرحلة الراهنة, على ان لا يكون هناك تعارض بين مهام الجمعيتين في مجال حماية المستهلك وان تصبا اهدافهما في الاول وفي الاخير في مصلحة المستهلك .