أعيدوا لنا الصندوق

تم نشره في الأحد 14 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

 "الهدف الأساسي لأي دولة هو رفع المستوى المعيشى لأفرادها"، هذا ما تعلمناه من مبادئ الإدارة العامة، فالشعوب تصنع الحكومات لخدمتها، وليس العكس، وموظفو الحكومة هم موظفون لدى الشعب مهمتهم الأساسية خدمة الناس لا أن يخدم الناس لصالح موظفي الدولة وتعظيم مكتسبات الموظفين. وبما أن هدف الانسان تعظيم منفعته، حسب مبادئ الاقتصاد والحس العام، فلا بد وأن يكون هدف الحكومة رفع وتحسين مستوى رفاهية الأمة. ومن هنا أيضا تبدأ وتنتهي العملية التقييمية لأداء أي حكومة أو فريق حكومي...نعم، الفريق ككل وليس فقط من يدعي منه أنه سوبرمان، فسوبرمان قصص أطفال ونحن لسنا تماسيح يصنعون من جلدها الأحذية والحقائب.

لقد كنا مثلا يحتذى في المنطقة بالنسبة للإصلاح والآن أصبحنا مغناة في كيفية التخبط في القرارات، وانفراد بعضهم بالقرارات، وممارسة البعض الآخر لما نسميه تغذية مصالح هؤلاء، وصرنا أرجوحة سريعة للمبادرات والقرارات غير المدروسة التي لا تنفذ وحين تنفذ نرجع عنها وبسرعة وكأن شيئا لم يكن، أو نجد أن سوبرمان اعتقد بأن بعضنا أغبياء، ليصبح هو وزبانيته من الاغنياء، فندفع ثمن ما يأتيه من أرزاق من رزق الفقراء.

أسطورة الأجندة الوطنية التي وئدت في فيافي صحراء "بلاش مشاكل واشتغل عالساكت"، وهي صحراء متسارعة النمو، كان من الممكن لها أن تصبح خطة عمل للحكومات المتعاقبة وأن تكون الاجندة التي يحاسب عليها القطاع العام الذي يموله الشعب من خلال الضرائب والرسوم ليحميه ويرعى مصالحه أولا في إطار يخلو من التخبط والغوغائية الناجمة عما نشاهده من قلة خبرة، وانعدام القدرات والمهارات أو حتى القدرة على التنفيذ بشفافية وتنافسية.

في غياب هذه الأجندة و"تخرجنا" بتفوق من برامج الاصلاح التي كان يضعها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أصبح الأردن الآن بلا أي غطاء تنموي أو خطة إرشادية شمولية. ومع أنني أختلف مع بعض سياسات الصندوق الدولي والتي أثبتت فشلها في الدول النامية في العالم، غير أن وجود مسار، أي مسار، أفضل من عدم وجوده، وأحسن بكثير مما نشاهده من تضارب الأهواء وهيمنة المصالح الشخصية داخل القطاع العام وفي شراكات بعضهم الشخصية مع القطاع الخاص، وكأنهم فهموا مبدأ الشراكة بين القاع العام والخاص بأن معناه أن يكونوا هم الشركاء كأفراد لا كمؤسسات.

أتذكر حين تولى الممثل أرنولد شوارزنغر منصب حاكم ولاية كاليفورنيا التي قد يفوق ناتجها المحلي مجموع ناتج العرب، أنه قام مباشرة باتخاذ إجراءات إعماء له عن إدارة ثروته التي قدرت آنذاك بـ360 مليون دولار، فأصبح لا حول له ولا قوة في إدارة ماله وأصبح ممنوعا من اتخاذ القرارات فيما يتعلق بأملاكه. لم يفعل ذلك لأنه ذو خلق عال، وقد يكون كذلك، ولكن لكي لا تزاوغه نفسه في اتخاذ قرارات تفيده، فيحاسبه الناس والقضاء ويخسر المال والجاه معا. وبعضنا يذكر كيف حاسب مجلس الشعب الأميركي بيل كلينتون، فيما سمي فيما بعد بفضيحة كلينتون غيت وذلك لأنه اتخذ قرارا كان يشتبه بأنه أفاده ببضعة آلاف من الدولارات حين كان حاكما لولاية آركنساس.

كلنا سمعنا في الأردن عن هذا العطاء وذاك، وبيع وتعاقد في الخفاء، ولم نسمع عن أي محاكمة أو محاسبة لهؤلاء. مثل هذه التصرفات لا يعالج بالعتاب، أو بتوقيف العطاء، بل بمحاسبة أي إنسان يعتقد بأنه أهم من نواميس وقوانين البلد. فصاحب المنصب من الأثرياء وبعد أن يحس بالجاه ويصدق أنه كفؤ ويرى ما يرى من نفاق وألقاب يبدأ بمراجعة دفاتره ويقرر أن يزيد من ثروته وخاصة بعد ان تعلم أن كل جاهه الى زوال قريب، ويبقى بجيبه كذا دينار. كل هذا بينما يتراجع ترتيبنا في الفساد من 37 بين الدول الى 41 ثم الى 51 والله أعلم ما سيكون هذا العام بعد أن يسمعوا بملحمة العطاءات.

والكل يعلم أن مشروعا بمئات الملايين أحيل قبل شهور بشفافية وبدأ التنفيذ فيه ومن خلال منافسة شريفة، كان سيخرج الى هاوية الفساد ومنها مباشرة الى جيب فلان من الذين يعتقدون بأنهم متنفذون، لولا تدخل مؤسسة دولية شريكة وإصرارها على العودة الى مبدأ الشفافية والمنافسة في اختيار المتنافسين. ولولا الخوف من الفضيحة لكنا عدنا مرة اخرى الى ساحة "على من أحب أن يحال العطاء"؟

نعم، عودوا بنا الى الصندوق، على الأقل ستلتزمون معنا بخطة واضحة وسيكون هناك حسيب ورقيب، وإذا ما لم نستطع أن ندير اقتصادنا وهو ما يبدو جليا وواضحا، دعوا غيرنا يضع البرامج فتتبعها هذه الحكومة وتلك... مع أن هذا ليس الحل الأفضل ولكنه الحل الوحيد المتبقي لمحاربة الفساد. ففي التسعينيات وفي زمن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أراحت هذه المؤسسات قادة الاقتصاد من التخبط الفكري ومؤامرات الضمائر، ووضعت عليهم حسباء، واعطتهم إطارا، وبغض النظر عمن يضع الاطار، يجب أن يكون الاطار شفافا ومتناغما يتطلب الالتزام.

التعليق