قوة إسرائيل

تم نشره في الخميس 11 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

سارت الأحداث في قضية الفساد التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بمسارها المتوقع بعد ان أكملت الشرطة الإسرائيلية بياناتها حول تهم من المحتمل ان تتحول الى تهم قضائية تتعلق بأموال تلقاها اولمرت من رجل أعمال تعود للسنوات 1993، 2003، 2006، بينما سيمضي الرجل الى مصيره بتنفيذ وعده بالاستقالة خلال الأيام القليلة الماضية، مؤكدا مصادر قوة الدولة العبرية الحقيقية، الماثلة اليوم بقوة المؤسسات وبالقدرة على المساءلة والشفافية واحترام الرأي العام؛ أي رفض التعايش مع الفساد.

وبعكس ما روجته وسائل الإعلام العربية ومنظروها، وما رددته من مقولات دعائية بثتها وسائل إعلام إسرائيلية وأخرى موالية إليها في الغرب وتلقفها الإعلام العربي. فإسرائيل تخرج من هذه الأزمة قوية وسلوك اولمرت يثبت للأسف قوة هذا الكيان، وليس ضعفه؛ فشر البلية الذي يبكي ويضحك معا ما رددناه عن مصير العملية السلمية ومسارها المتعثر بوجود قيادات ضعيفة لدى الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني عاجزة عن اتخاذ قرارات مصيرية؛ وهو تبرير سخيف لانتصار سياسة شراء التاريخ، وليس الوقت وحسب وفرض الأمر الواقع، والأكثر بؤسا تلك المقارنة بين نظام سياسي متماسك تقوده المؤسسات التي تملك القدرة على التصحيح الذاتي، والصيانة الوقائية في السياسة وفي معمار الدولة وكياناتها، كما يمارسه الاسرائيلون، وبين نخب سياسية متهالكة في الطرف الآخر أنهكها الفساد والتآمر والاقتتال.

الفساد هو مقبرة الدول، لكن الفرق الجوهري بين دول ومجتمعات تملك من القدرات والإرادة على مواجهته ما جعل تلك المؤسسات والمجتمعات تشبه آلة تعمل من تلقاء نفسها في رفض التعايش مع الفساد، وفي القدرة على كشفه ولجمه عبر آليات واضحة وشفافة في المحاسبة والمساءلة بما وفر تقاليد للتصحيح الذاتي. وهنا يكمن احد أهم مصادر قوة الدولة الثابتة والمتينة، التي لم تتغير عبر حقب طويلة من التاريخ، وبين دول ومجتمعات يُسرق القوت من أفواه أبنائها ويمارس فيها النهب المنظم والموت المنظم وتخرج نخبها للتبرير وقلب منطق الاتهام والوقائع وكأننا أمام حلبة للسحرة والمشعوذين.

سر قوة إسرائيل الحقيقي ليس لغز مفاعلاتها النووية ولا جيوشها ولا سلاحها الجوي، فقوة اسرئيل الحقيقية ليست الدعم الخارجي ولا التحالف مع القوة الكبرى في كل زمان، القوة الحقيقية وجود مؤسسات قوية قادرة على التصحيح الذاتي داخل أنسجة الدولة، قادرة على المساءلة في الصغيرة والكبيرة، مؤسسات تحترم الرأي العام، ولا تسترخي أو تنبطح أمام أي إغراءات ذات مساس بحقوق مواطنيها ومستقبل كيانها، القوة الحقيقية في رفض التعايش مع الفساد على كل مستوياته وفي كافة تفاصيله.

ليس غريبا ان العالم العربي أسوأ إقليم في العالم في مكافحة الفساد، فهو الأكثر قدرة على التعايش معه، وبالتالي يجسد مفارقة الكيانات الضعيفة والهزيلة، لنتصور حجم ما قدمته المنطقة العربية من موت مجاني في اقتتال داخلي وصراعات محلية وفوضى وانقلابات وضجيج سياسي مفرغ من ابسط مضامين السياسة على مدى العقود الستة الماضية. ألم يكن هذا سوى مجرد صراع على اقتسام الفساد بين نخب فاسدة، لنعيد التفكير بالهزائم المتلاحقة والاحتلالات والاستباحة الواضحة، وبالتبعية وما رافقها على مدى هذه العقود؛ هل يوجد نظرية تفسيرية أكثر منطقية ودقة من قدرة المجتمعات العربية على التعايش مع الفساد وتسويغه، كذلك هو الأمر في تفسير فشل مشاريع التنمية الوطنية وما بددت من أموال وثروات وسرقت مستقبل أجيال بأكملها، والفساد الأكبر من ذلك كله الخيانة التي مارستها النخب العارفة على مدى ستة عقود في عجزها عن توطين ثقافة تُعرّف الناس بالعلة الأولى للهزائم والضعف واقتراب تحلل العديد من الكيانات؛ بل الوجه الآخر للفساد الكبير هو دور هذه النخب في توطين ثقافة تتعايش مع الفساد وتبرره.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هي قوة اسرائيل (محمد سلمان ت)

    الخميس 11 أيلول / سبتمبر 2008.
    لو راجعنا الأحداث التي ألمَّت بالعالم منذ تأسيس إسرائيل وحتى يومنا هذا سنجد أن جهاز الموساد كان حاضراً إن لم يكن الحاضر الأول. لكننا نلاحظ أن هذا الجهاز حاضر في كل مكان عدا المكان الذي خُلق ليكون حاضراً فيه. الصراع مع حزب الله والصراع مع حماس والجهاد. الكل توقع أن تشن إسرائيل حرباً نوعية انتقائية وسريعة للقضاء على حزب الله. فالمخابرات الإسرائيلية حددت المواقع العسكرية لحزب الله ومقار القيادة. ولكن الشيء الغريب أن الموساد عجز حتى عن تحديد موقع بث قناة المنار التابعة للحزب
  • »اسرائيل تخطط........................أما نحن فنخبص (د. عبدالله عقروق ..بيروت مؤقتا)

    الخميس 11 أيلول / سبتمبر 2008.
    لقد وضعت يا اخ باسم اصبعك على مكان الجرح الموجع بالنسبة لمل يدور مع معظم قيادينا العرب والمسلمين ..أما عمليات الفساد في اسرائيل فلو معنا النظر به ، وما حصل لعدة رؤوساء وزراء فأننا نرى بأن تهمهم كانت بافتعال عمليات فساد.. ذلك للآسراع في تقديم مدة الآنتخابات أم ان الرئيس قد فشل أو أن يكون قد تم الدور الذي يلعبه ..ومن تم اتهامهم بعمليات الفساد يعودون ثانية الى الحكم بقوة عارمة ..فمثلا نتنياهو فقد اتهم انه سرق تحف وقطع ثمينة من الدولة ، ونراه اليوم المرشح الاول لرئاسة الوزراء ، وهكذا دواليك..
    أن فساد رئيس الوزراء في اسرائيل مفتعل لتغير سياسة معدة.
  • »اسرار الضعف (علي المحاميد)

    الخميس 11 أيلول / سبتمبر 2008.
    اشكر الكاتب على المقال وما اتمناه ان نتعلم من اعداءنا فما يمارسوه من قمع الفساد والمحاسبة علية واحترام العمل والوقت وغيرها جاء ديننا الحنيف للحديث عنها والاشارة اليهافحظ الدين على درء الفساد بما استطاع الفرد المسلم من وسيلة واكد على الاخلاص في العمل واتقانه ففي الغرب يحترموا ساعات العمل ويخلصوا فية ويحترموا الوقت وغيرها لانها تحقق استمرار مصالحهم ونجاحهم ليس من باب الدين بنظرهم بل من باب المصلحة والمنفعة لهم اما نحن العرب فلدينا من الاخلاق ما يجعلنا نقول به شعر ونكتب قصص وروايات ولكن للاسف لا نطبق على ارض الواقع منه شي
    فنحن غير قادرين على الاعتراف بالخطأ بل نتستر على الخطا لنداري فضائحنالانه الستره كويسه وبلاش نفضح حالنا بالاعلام بس نفضح اللي بدنا اياه فقط
  • »قوة الامم تذهب بذهاب اخلاقياتها (د. هاني عبد الحميد)

    الخميس 11 أيلول / سبتمبر 2008.
    ما الذي يطيح باية دولة اكثر من فساد الراس الحاكم ؟ لا شيئ واذا كان هذا مصدر قوة- لا يدعيه المحتلون البغاة انفسهم-فليس لنا سوى ان نتمى لهم التمتع بمزيد من اسباب القوة المفترضة هذه. كيف يمكن ان تفسر اهتمام رئيس الاركان الصهيوني باسهمه اكثر من متابعة سير المعركة تلافيا لاول هزيمة حقيقية في تاريخ الدولة المسخ وهل هذا هو المقياس الحقيقي لمصداقية راس الهرم العسكري للاعداء وقدرته على تحمل اعباء المواجهة الشاملة الحاسمة والنهائية واي فساد يمكن ان تبنى عليه دولة اكثر من طرد شعب ظانيين انه من الهنود الحمر وسلب ارضه وهدر حقوقه الشرعية التي لا تتآكل مع الزمن انني لا اتفق مع بن غوريون في ان خسارة اسرائيل اول معركة تعني نهاية اي شيء غير الظلم والعدوان اذ لم يعرف التاريخ ارحم من العرب وكيف ان صلاح الدين امن السفر الامن للفقراء من المحتلين للعودة الى ديارهم الاصلية في اوروبا بعد ان تخلى عنهم اغنياؤهم واخيرا فان نقطة القوة الوحيدة التي كان يتمتع بها العدو الصهيوني والتي اسقطتها المقاومة الباسلة في شتى مجالات المواجهة الى غير رجعة فهي عدم جدية المواجهة العربية والاستخفاف بقدرات العدو وترك المجال للطابور الخامس ان يزين للعرب الخرافات والاساطير المضللة حول قدرات دونكيشوتية لا يستحقها هذا النوع من البشر وستثبت الاشهر القليلة القادمة صدق هذه المقولة ومن يعش ير